منتديات جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
هذا الصندوق ليس للإزعاج بل هو للترحيب بكم
فإن كان يزعجكم اضغط على ( إخفاء ) ـ
و إن كان يهمكم أمر المنتدى فيسعدنا انضمامكم
بالضغط على ( التسجيل ) تظهر بيانات التسجيل البسيطة
بعدها تصبحون أعضاء و ننتظر مشاركتكم
ِ
فأهلا بكم

فى جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
__________________


... كلية الحقوق &&& كلية التجاره &&& كلية الاداب...
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محاضرات اصول الفقه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:41 am


المحاضرة الأولى
الحكم الشرعى وأقسامه
وينقسم الحكم الشرعى إلى قسمين : حكم تكليفى وحكم وضعى ونتناول هذا الفصل فى ثلاثة مباحث:
· المبحث الأول : تعريف الحكم الشرعى.
· المبحث الثانى : أقسام الحكم التكليفى.
· المبحث الثالث : أقسام الحكم الوضعى
تعريف الحكم الشرعى
والحكم الشرعى فى اصطلاح الأصوليين "هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً".
فالحكم فى اصطلاح الأصوليين يطلق على نوعين :
النوع الأول : الحكم التكليفى : وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أى الطلب أو التخيير.
· أطلق على هذا النوع الحكم التكليفى نسبة إلى التكليف ،· أى طلب ما فيه كلفة على الإنسان ،· لأنه يتضمن تكليف المكلف بفعل ،· أو كف عن فعل،· أو تخييره بين الفعل والترك . وقد أطلق الحكم التكليفى على حالة التخيير بين الفعل والترك ،· رغم أن التكليف فيها غير واضح ،· لأنه من باب أن الغالب فى الحكم التكليفى أنه تكليف الشخص بفعل أو ترك.
· ومن جهة أخرى فإن المباحات قد تعرض لها ظروف تجعلها من الفرائض إذا ما تعرضت النفس للهلاك أو التلف ،· وأيضاً قد يصل المباح إلى التحريم فى بعض الحالات غير الضرورية كما هو الحال عند الإسراف والتبذير بتناول ما يزيد عن الحاجة ،· وبهذا يمكن إدراك الارتباط القائم بين الحكم التخييرى والحكم التكليفى.
· ويلاحظ أن خطاب الله تعالى ليس خاصاً بنصوص القرآن وحدها،· بل يشمل خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصود به التشريع ،· فإن خطاب الله تعالى يشمله ،· ودليل ذلك قولـه تعالى : } وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى {. فخطاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المقصود به التشريع والهداية هو وحى من عند الله تعالى بطريق المعنى ،· واللفظ من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك الأدلة الشرعية الأخرى كالإجماع والقياس أيضاً ،· لأن مرجع هذه الأدلة إلى النصوص الشرعية ،· فالحكم الشرعى يشمل جميع الأدلة المتعلقة بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً ،· وسواء كانت نصوصاً أم غيرها.

والنوع الثانى : الحكم الوضعى : وهو خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشئ سبباً لغيره ، أو شرطاً له ، أو مانعاً منه . وأطلق عليه الحكم الوضعى نسبة إلى وضع الشارع ، فالشارع هو الذى جعل الشئ سبباً لشئ آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه . فالأسباب والشروط والموانع المتعلقة بأفعال المكلفين إنما هى من وضع الشارع .
شــرح التعـريف :
والمراد بأفعال المكلفين : ما يدخل تحت قدرة المكلف واستطاعته ، وسواء كانت من أفعال القلوب كالإخلاص والحسد والرياء ، أو أفعال الجوارح كالصلاة والحج . والمكلف هو البالغ العاقل الذى بلغته الدعوة .
ومعنى الاقتضاء : أى الطلب ، وسواء كان طلباً للفعل أو طلباً للترك .
والمراد بالتخيير : التسوية بين الفعل والترك دون ترجيح لأحدهما.
· وعلى هذا فلا يدخل فى معنى الحكم خطاب الله تعالى المتعلق بذاته سبحانه وصفاته ،· لأن تقييد الخطاب بأنه ( المتعلق بأفعال المكلفيـن ) يخرج الخطاب المتعلق بذاته جل وعلا مثل قولـه سبحانـه : } شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { ،· ويخرج الخطاب المتعلق بالجبال ونحوها مثل قولـه تعالى: } إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالأِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ{،· وقوله تعالى : â وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ á،· هذا خطاب من الشارع متعلق بإقامة الصلاة وإتياء الزكاة طلباً لفعلهما . وقوله تعالى : âولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ 3 á،· هذا خطاب من الله تعالى متعلق بقتل النفس بدون وجه حق طلباً لتركه . وقوله تعالى : â فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ á،· خطاب من الشارع متعلق ببدل الخلع تخييراً فيه . وأيضاً قوله تعالى : â وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا á ،· يقتضى تخيير المكلف بين فعل الشئ وتركه .
· وعلى هذا ،· فالحكم التكليفى يقتضى من المكلف إما طلب الفعل أو طلب تركه ،· أو التخيير بين الفعل أو الترك ،· فيشمل الأحكام التكليفية الخمسة وهى : الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة .
· ومن الأمثلة على الحكم الوضعى فيما يتعلق سبباً لشئ آخر قول الله تعالى : (( والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا )) ،· فالسرقة جعلها الشارع سبباً فى إيجاب قطع يد السارق . وقوله سبحان ))أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ )) اقتضى جعل دلوك الشمس سبباً لوجوب الصلاة .
· ومثال جعل الشارع شيئاً شرطاً لشئ آخر قوله تعالى : (( ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً )) ،· فالشارع قد جعل الاستطاعة شرطاً لوجوب الحج ،· وقوله تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ { ،· فالشارع جعل الطهارة شرطاً لصحة الصلاة،· وعدم الطهارة يستلزم عدم صحة الصلاة .
· ومثال جعل الشارع شيئاً مانعاً من شئ ما روى عن أبى هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : « القاتل لا يرث » ،· فقتل الوارث مورثه جعله الشارع مانعاً من الإرث.
· ومما تقدم يتبين لنا أن الحكم التكليفى يراد به طلب الفعل أو تركه،· أو التخيير بين الفعل والترك.
· وأما الحكم الوضعى فلا يراد منه الطلب أو التخيير ،· وإنما يُقصد به بيان الأسباب والشروط والموانع التى وضعها الشارع متعلقة بأفعال المكلفين .
· والثانى : أن الحكم التكليفى يكون مقدوراً للمكلف أى يندرج تحت قدرته واستطاعته كالصلاة والصوم ،· لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها . وأما الحكم الوضعى فقد يكون متعلقاً بأمر فى استطاعة المكلف أو فى غير استطاعته. ومثال ما جعل سبباً وهو فى مقدور واستطاعة المكلف عقوده وجرائمه . ومما جعل سبباً فى غير مقدوره القرابة فهى سبب للميراث . ومما جعل شرطاً وهو فى مقدور المكلف تعيين الثمن والمثمن والأجل فى عقد البيع وهو شرط لصحة العقد . ومما جعل شرطاً فى غير مقدور المكلف بلوغ الرشد فهو شرط لنفاذ عقد البيع .
· وكذلك الموانع : منها ما هو فى مقدور المكلف مثل قتل الوارث مورثه. ومنها ما هو غير مقدور له كالإرث فإنه يمنع الوصية ،· لحديث رسول الله r : « إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث».
· والحكم الشرعى فى اصطلاح الأصوليين هو ذات النص الصادر من الشارع دالاً على الطلب أو التخيير أو الوضع .
· أما الحكم الشرعى فى اصطلاح الفقهاء فهو الأثر الذى يقتضيه خطاب الشارع فى الفعل كالوجوب والحرمة والإباحة . فقولـه تعالى : (( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )) يقتضى وجوب صيام رمضان ،· فالنص ذاته هو الحكم فى اصطلاح الأصوليين ،· أما وجوب صيام الشهر فهو الحكم فى اصطلاح الفقهاء . وكذلك قوله تعالى : (( لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ )) هو الحكم فى اصطلاح الأصوليين ،· وحرمة السخرية من الناس هو الحكم فى اصطلاح الفقهاء.
أقسـام الحكم التكليفى
ينقسم الحكم التكليفى إلى خمسة أقسام هى : [ الإيجاب ، والندب، والتحريم ، والكراهة ، والإباحة]. وذلك لأن طلب الفعل إذا كان على وجه الإلزام فيسمى إيجاباً ، والمطلوب فعله يسمى واجباً.
وإن كان طلب الفعل ليس على سبيل الإلزام سمى ندباً ، والمطلوب فعله يسمى مندوباً .
وإذا كان طلب ترك الفعل على سبيل الإلزام فهو التحريم ، والمطلوب ترك فعله يسمى محرماً.
وإن كان طلب الترك ليس على وجه الإلزام فهو الكراهة ، ويسمى الفعل المطلوب تركه مكروهاً.
وإن كان الحكم يقتضى تخيير المكلف بين فعل الشئ وتركه أطلق عليه الإباحة ، والفعل الذى خير المكلف فيه بين الفعل والترك يسمى مباحاً.
وبناء عليه، فإن المطلوب فعله قسمان : هما : الواجب والمندوب. والمطلوب ترك فعله قسمان : المحرم والمكروه . والذى خير فيه المكلف بين الفعل والترك هو المباح .
ونبين كل قسم من هذه الأقسام فيما يلى :
أولاً : الواجـب :
تعريفه اصطلاحاً : هو ما طلب الشارع من المكلف فعله على وجه الإلزام.
· وهذا الطلب يقترن به ما يدل على تحتيم فعله ،· كما لو كانت صيغة الطلب تدل على الإلزام ،· أو دل عليه ترتيب العقوبة على تركها ،· أو أية قرينة شرعية أخرى دالة على ذلك .
· ومثال صيغة الطلب الدالة على الإلزام قولـه تعالى : } وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ { ،· وقوله تعالى: } وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ{. فقد اشتملت كل آية من هذه الآيات على فعل أمر ولم توجد القرينة التى تصرف الأمر عن الوجوب . ومن أمثلة ذلك قولـه تعالى: } فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ {،· وقوله تعالى : }وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ{. فقد اشتملت كل آية من هاتين الآيتين على فعل مضارع مقترنٍ بلام الأمر ولم توجد القرينة التى تصرف الأمر على الوجوب . ومن أمثلته أيضاً قولـه تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ{،· فقوله سبحانه " عليكم " اسم فعل أمر وهو يدل على الوجوب حيث لم توجد القرينة التى تصرفه عن الوجوب وكذلك كل صيغة تدل على الإلزام لاشتمالها على ما يفيد ذلك مثل قولـه تعالــى : (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )) ،· وقولـه تعالى : (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )) ،· وقوله تعالى: _(( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )) ،· وقوله تعالى : }يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ {،· وغير ذلك من الصيغ الدالة على تحتيم الطلب والإلزام به . وكما لو رتب الشارع العقاب على تركها مثل قوله تعالى : (( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)).
وحكم الواجب : أن يثاب الشخص على فعله ويعاقب على تركه .




أقســام الواجب :
ينقسم الواجب عدة أقسام لاعتبارات مختلفـة :
· فباعتبار المكلف بالأداء ينقسم إلى : واجب عينى وواجب كفائى .
· ومن حيث تعيين الفعل المطلوب والتخيير فيه ،· ينقسم إلى : واجب معين وواجب مخير . ومن حيث وقت أدائه ينقسم إلى واجب مؤقت وواجب مطلق عن التأقيت .
تقسيم الواجب إلى : واجب عينى وواجب كفائى :
· فالواجب العينى: هو ما طلب الشارع فعله من كل مكلف بعينه ،· ولا يصح أن يقوم بالفعل غيره مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج مادام المكلَّف قادراً على أدائها وتحققت فيه الشروط الشرعية لأداء الواجب ،· ويأثم إن لم يفعل . قال تعالى : } وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ { ،· وقال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { ،· وقال عز وجل : } وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً { .
· أما الواجب الكفائى: فهو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين،· لا من كل فرد منهم بعينه،· وإذا قام به بعضهم،· الذين يمكنهم القيام به ،· فقد أدى الواجب وسقط الإثم عن الباقين ،· وإذا لم يقم به بعض المكلفين القادرين على القيام به أثِمُوا جميعاً بسبب عدم قيام أحد منهم بأداء الواجب.
· ومن الأمثلة على ذلك ممارسة بعض الأعمال الضرورية التى يحتاجها الناس كالطب ،· والقضاء ،· والإفتاء ،· وأداء الشهادة ،· والبحوث العلمية والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ورد السلام وأنواع الصناعات اللازمة لرقى الأمم ونهضتها والحفاظ على أمنها الداخلى والخارجى كصناعة المواد الغذائية والسيارات والأسلحة الحربية وإنقاذ الغرقى .. ونحو ذلك. فالمطلوب شرعاً أداء هذه الواجبات لأن مصالح الناس تقتضى ذلك ،· وليس المطلوب أن يؤديها كل فرد بعينه .
· وإذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائى صار واجباً عينياً عليه ،· فمثلاً إذا لم يوجد فى البلد إلا طبيب واحد تعين عليه ممارسة الطب لعلاج المرضى ويصير هذا الوجوب عينياً لا كفائياً ،· وحينئذ يتحول الواجب الكفائى إلى واجب عينى.




ـ القسم الثانى : الواجب المعين والواجب المخير :
· فالواجب المعين هو ما طلبه الشارع بعينه كالصلاة والزكاة ،· ولا تبرأ ذمة المكلف إلا إذا أدى هذا الواجب بعينه.
· أما الواجب المخير فهو ما طلب الشارع أداءه من بين أمور معينة مثل كفارة الحنث فى اليمين ،· فالله تعالى يقول Sad( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ )) ،· فالواجب على الحانث فى يمينه أحد أمور ثلاثة ،· وليس من هذه الأمور الثلاثة واحد بعينه واجب عليه ،· فالمكلف مخير فى أداء أى واحد من هذه الأمور الثلاثة ،· وتبرأ ذمته بأداء أى واحد منها ،· فإذا لم يجد واحداً منها تعين عليه الصيام .

ـ القسم الثالث : تقسيم الواجب باعتبار وقت أدائه :
· ينقسم إلى واجب مؤقت ،· وواجب مطلق عن التوقيت ،· وهذا تقسيم فقهاء الحنفية .
· فالواجب المؤقت: هو ما طلب الشارع فعله فى وقت معين ويأثم المكلَّف بتأخيره عن وقته بدون عذر ،· كالصلوات الخمس ،· وصوم رمضان والوقوف بعرفة.
· قال تعالى : } إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً { ،· وقال سبحانه : } فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ .
· وإذا فعل المكلَّف الواجب المؤقت فى وقته كان فعله أداء ،· وإذا فعله بعد وقته سمى قضاء .
· والواجب المطلق عن التوقيت: هو ما طلب الشارع فعله ولم يعين وقتاً لأدائه ،· كالحج فهو واجب على من استطاع إليه سبيلا ،· وليس لأداء هذا الواجب سَنة معينة ،· وللمكلَّف أن يفعله فى أى وقت أراد من غير إثم عليه،· وكذلك أداء النذور والكفارات .
والواجب المؤقت : ينقسم إلى واجب موسّع وواجب مضيًّق .
· فالواجب الموسَّع : هو الذى يكون وقته الذى عينه الشارع له يسعه ويسع غيره من جنسه ،· كصلاة الصبح ،· فهو وقت موسَّع يسع أداء الصبح وأداء أى صلاة أخرى ،· وللمكلَّف أن يؤدى صلاة الصبح فى أى جزء منه.
· أما الواجب المضيَّق : هو ما كان وقته لا يسع غيره من جنسه ،· كصوم رمضان ،· فوقته لا يسع إلا الصوم الواجب فى هذا الوقت ،· ولا يسع صوماً آخر معه .
· ويلاحظ أن الواجب الموسَّع قد يصير واجباً مضيَّقاً ،· فمن لم يؤد الصلاة المفروضة أول وقتها حتى كاد وقتها أن ينتهى ،· فإن الواجب الموسَّع يصير مضيَّقاً ،· لأن الوقت ـ فى هذه الحالة ـ لا يسع غير هذه الصلاة التى لم تؤد فى أول وقتها.
ثانياً : المنــدوب :
ـ تعريفـه :
· هو ما طلب الشارع فعله من المكلَّف دون إلزام ،· كقوله صلى الله عليه وسلم : « ومن سنتى النكاح » ،· أو المتضمنة للترغيب ،· كقوله صلى الله عليه وسلم : « من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»،· وقوله صلى الله عليه وسلم : " من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصوم الدهر "،· وقوله صلى الله عليه وسلم : "صيام يوم عرفة إنى أحتسبه على الله أن يكفر السنة التى قبله والتى بعده"،· وهذا لغير الحاج ،· أما الحاج فلا يجوز لـه صوم يوم عرفة لنهى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه. ومن الأمثلة على المندوب أيضاً ما روى عن عائشة قالت : (كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه)،· وصوم يوم الاثنين والخميس،· لما روى عن أبى هريرة أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصوم الاثنين والخميس ،· فقيل يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس ،· فقال : "إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا متهاجرين ،· يقول : دعهما حتى يصطلحا ".
· ويدل على عدم الإلزام . إما صيغة الطلب الصريحة أو اقتران الطلب بالقرائن الدالة على عدم الإلزام وأن الأمر للندب ،· وليس للإيجاب كقوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُá،· فإن الأمر بكتابة الدين للندب بدليل قوله تعالى فى الآية التى تليها (( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ )) فالآية تفيد بأنه إذا توفرت الثقة بالمدين وائتمانه فليؤد المدين ما عليه دون كتابة للدين .
وحكم المندوب : أن يثاب الشخص على فعله ، ولا يعاقب على تركه.
ثالثاً : المحــرم :
ـ تعريفـه :
· هو ما طلب الشارع من المكلَّف ترك فعله طلباً لازماً ويسمى حراماً.
· ويدل على التحريم إما صيغة طلب الترك كقوله تعالى : (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ )) وقوله تعالى : (( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ))،· وقوله تعالى : (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير ))،· وقوله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا )) فقرينة التحريم هنا ترتيب العقاب فى الآخرة على ذلك ،· أو أن تقترن صيغة النهى بما يدل على الإلزام والتحتيم ،· كقوله تعالى : â إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ á ،· وقوله تعالى : â وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً á ،· أو أن يرتب الشارع عقوبة دنيوية على الفعل أو اللعن وهو الطرد من رحمة الله تعالى ،· مثل قوله تعالى : â وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ á،· وقوله تعالى: â إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ á.
ـ أقسـام المحرم :
· وينقسم المحرم إلى قسمين : محرم لذاته ،· ومحرم لغيره .
(1) المحرم لذاته : هو ما قضى الشارع بحرمته ابتداء لما فيه من المفاسد والمضار ، كالقتل والزنا والقذف والسرقة والغصب وبيع الخمر والأصنام ولا يعتبر هذا الشئ سبباً لاكتساب الحقوق ، فلا يثبت بالزنا نسب ولا تثبت حقوق للزانيين ، ولا تكتسب الملكية بالسرقة أو الغصب .
(2) المحرم لغيره : وهو ما قضى الشارع بحرمته لأمر عارض رغم أنه فى الأصل مشروع ، لكن اقترن به عارض جعله محرماً ، كالصلاة فى ثوب مسروق ، فإن الحرمة عارضة للصلاة بسبب أن مؤديها يرتدى ثوباً مسروقاً ، أو الطلاق البدعى ، أو صوم الوصال .. وغير ذلك من الأمور التى عرض لها التحريم ، فأصل الفعل لا مفسدة فيه ولكن لحق به عارض خارجى جعل فيه مفسدة أو مضرة . وهذا النوع من المحرمات يصلح سبباً شرعياً لترتيب الأحكام عليه ، فالصلاة فى ثوب مسروق صحيحة مع تحمل صاحبها إثم جرمه ، وكذلك الطلاق البدعى واقع ، والصوم صحيح مع الإثم فى الحالتين .
وحكم المحرم: أن يعاقب الشخص على فعله وأن يثاب على تركه.
رابعـاً : المكـروه :
ـ تعريفه :
· هو ما طلب الشارع من المكلَّف ترك فعله طلباً غير لازم .
· ويدل على الطلب غير اللازم صيغة الطلب ذاتها ،· مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»،· وحديث : « إن الله تعالى يبغض السائل الملحف ويحب الحيى العفيف المتعفف » ،· أو كان الفعل منهياً عنه واقترن بما يدل على أن المراد به الكراهة دون التحريم مثل قوله تعالى : â لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ á،· فالنهى يدل على كراهة السؤال عما إذا ظهر جوابه للسائل ساءه لا على حرمة السؤال بدليل قوله تعالى : â وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ á،· ولو كان السؤال حراماً لما ترتبت عليه الإجابة حين تنزيل القرآن. وهذا بخلاف المحرم فطلب الكف عن الفعل فيه يكون لازماً وحتماً عن طريق الصيغة أو القرائن الدالة على ذلك ـ كما قدمنا .
وحكم المكروه : أنه لا يعاقب فاعله ، وقد يستحق اللوم.

خامسـاً : المبــاح :
ـ تعريفه :
· هو ما خير الشارع المكلَّف بين فعله وتركه. أى أن الشارع قد سوى بين الفعل والترك ،· فلم يطلب من المكلَّف فعله ،· ولم يطلب الكف عنه.
· ويستدل على الإباحة بالصيغة كما فى قوله تعالى : â وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ á ،· فإن الصيغة تفيد إباحة الطيبات ،· ومنها نفى الحرج مثل قول الرسول r فى حجته حينما سُئل عن أمر قدم أو أخر إلا أجاب بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا حرج » . وبالنص الشرعى على رفع الإثم عن الفعل تارة ،· كما فى قوله تعالى : â وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ á،· أو نفى الإثم عن الفعل مثل قولـه تعالى: } فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ { ،· فتباح الأشياء المحرمة كالميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر بالقدر الذى يدفع عنه خطر الموت . وتارة تكون القرينة دالة على أن الأمر فى النص يراد به الإباحة ،· كما فى قوله تعالى : â فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ á،· فإنه كان محظوراً بسبب الصلاة ،· فإذا فرغ منها المكلَّف عاد إلى الانتشار فى الأرض ويصير المحظور مباحاً . وقد يكون نفى التحريم دالاً على الإباحة مثل قولـه تعالى : } قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ { . وكذا الاستثناء من التحريم مثل قولـه تعالى : } وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ { ،· فيباح تناول المحرم عند الاضطرار لأنه مستثنى مما حرمه الله تعالى ،· وأيضاً فإن النهى عن التحريم يفيد الإباحة مثل قولـه تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {،· وكذا نفى النهى يدل على الإباحة مثل قولـه تعالى : } لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ { . وتارة يستدل على المباح بالإباحة الأصلية فإذا لم يرد دليل على التصرف من الشارع كان هذا التصرف مباحاً لأن الأصل فى الأشياء الإباحة .
وحكم المباح : أنه لا ثواب على فعله ولا عقاب على تركه .
أقسام الحكم التكليفى عند فقهاء الحنفية :
· لقد بينا أن أقسام الحكم التكليفى عند جمهور العلماء هى خمسة أقسام ،· أما فقهاء الحنفية فقد قسموا الحكم التكليفى إلى سبعة أقسام لأنهم يقسمون ما طلب الشارع فعله طلباً لازماً إلى قسمين : الفرض والواجب . وعرفوا الفرض بأنه ما طلب الشارع فعله طلباً لازماً بدليل قطعى وهو القرآن والسنّة المتواترة مثل حج البيت فهو فرض لأن الشارع طلبه طلباً لازماً بدليل قطعى وهو القرآن فى قوله سبحان : â وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً á . وعرفوا الواجب بأنه ما طلبه الشارع طلباً لازماً بدليل ظنى ،· كما لو كان الدليل حديثاً غير متواتر أو كان قياساً ،· وذلك مثل قراءة الفاتحة فى الصلاة ،· فهى واجبة وليست فرضاً لأن الدليل عليها حديث غير متواتر وهو حديث : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » .
· كما أنهم قسموا ما طلب الشارع ترك فعله طلباً لازماً إلى قسمين المحرم ،· والمكروه تحريماً .
· وعرفوا المحرم بأنه ما طلب الشارع ترك فعله طلباً لازماً وكان طلب الترك بدليل قطعى كالقرآن والسنّة المتواترة،· مثل قوله تعالى : â وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى á ،· فطلب ترك الزنا فى الآية يتضمن الإلزام والتحتيم لأنه ثبت بدليل قطعى وهو القرآن الكريم .
· وعرفوا المكروه تحريماً بأنه ما طلب الشارع ترك فعله طلباً لازماً وكان هذا الطلب بدليل ظنى كالسنّة غير المتواترة ،· مثل التزين بالذهب للرجال أو لبسهم الحرير ،· لأن طلب الترك ثبت بدليل ظنى وهو الحديث غير المتواتر فى قوله صلى الله عليه وسلم ـ مشيراً إلى الذهب والفضة : « هذان حرام على رجال أمتى حلال لنسائهم » . هذا ،· وقد اتفق الأحناف مع جمهور الفقهاء فى باقى الأقسام الأخرى وهى : المندوب ،· والمكروه ،· والمباح.
أما الفعل الذى طلب الشارع تركه طلباً غير لازم فأطلقوا عليه المكروه تنزيهاً ليفرقوا بينه وبين المكروه تحريماً.
· وبهذا يستبين لنا أن فقهاء الحنفية يرون أن المطلوب فعله ثلاثة أقسام : الفرض ،· والواجب ،· والمندوب . وأن المطلوب ترك فعله ثلاثة أقسام أيضاً هى : المحرم ،· والمكروه تحريماً ،· والمكروه تنزيهاً .
· وفعل المكلَّف قد تعتريه هذه الأحكام كلها أو بعضها ،· فمثلاً الزواج قد يكون فرضاً : على المسلم إذا كان قادراً على نفقات الزواج وواجباته وتيقن أنه سيقع فى الفاحشة إذا لم يتزوج . ويكون واجباً : إذا كان الشخص قادراً على واجبات الزواج جميعها وخشى الوقوع فى الزنا إن لم يتزوج . ويكون مندوباً : إذا كان فى حال الاعتدال أى لا يخاف الزنا إذا لم يتزوج مع قدرته على مؤن الزواج وواجباته . ويكون محرماً : إذا تيقن ظلم المرأة إذا تزوج لسبب من الأسباب كعجزه عن القيام بحقوق الزوجية . ويكون مكروهاً تحريماً : إذا خشى ظلم الزوجة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:42 am


المحاضرة الثانية
أقسـام الحكم الوضعـى
ذكرنا فيما سبق أن الحكم الوضعى هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلَّفين بجعل الشئ سبباً لشئ أو شرطاً له أو مانعاً منه .
· وينقسم الحكم الوضعى إلى ثلاثة أقسام هى : [ السبب ـ الشرط ـ المانع] . ويلحق بهذه الأقسام : الرخصة والعزيمة ،· لأنه إذا توفرت أسباب الترخيص التى نص عليها الشارع تحققت الرخصة ،· وما يترتب عليها من إباحة الفعل ورفع الإثم عنه ،· وأيضاً فإنه إذا توفرت الشروط الشرعية تحققت الصحة ،· وإن لم تتوفر الشروط الشرعية كان البطلان .
· وقد ثبت أن الحكم الوضعى قد يقتضى جعل الشئ سبباً لشئ ،· أو شرطاً له ،· أو مانعاً منه ،· أو مسوغاً لرخصة بدل العزيمة ،· أو جعل الشئ صحيحاً أو باطلاً . ولذلك فإن الحديث عن الحكم الوضعى يكون فى الأمور الآتية :
1ـ السبب .
2ـ الشرط .
3ـ المانع .
4ـ العزيمة والرخصة .
5ـ الصحة والبطلان .
(1) الســبب
تعريفـه :
· هو أمر ظاهر منضبط جعله الشارع علامة على حكم شرعى هو مسبَّبُه ويلزم من وجوده وجود المسبَّب ومن عدمه عدم المسبَّب .
· فالسبب يلزم من وجوده وجود المسبَّب ،· ومن عدمه عدم المسبَّب ،· أى أن وجود المسبَّب مرتبط بوجود السبب ،· وعدمه بعدم السبب .
· ويلاحظ أن ترتيب المسببَّات على الأسباب من وضع الشارع وحده،· فهو الذى رتب المسببات على الأسباب ،· وما على المكلَّف إلا الالتزام بالمسبب إذا وجد سببه .


أنواع السبب:
· وهو قد يكون سبباً لحكم تكليفى ،· أو سبباً لإثبات مِلك أو حل أو إزالتهما .
ومن أمثلة النوع الأول : وهو ما كان سبباً لحكم تكليفى ، شهود شهر رمضان ، فقد جعله الشارع سبباً لإيجاب صومه فى قوله عزّ وجلّ : âفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ á، كما جعل دخول الوقت سبباً لإيجاب الصلاة لقوله سبحانه : â أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ á، فزوال الشمس علامة على وجوب صلاة الظهر يعرف بها الناس هذا الحكم، وجعل القتل العمد العدوان سبباً لإيجاب القصاص فى قوله تعالى : â وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ á، وقوله تعالى : â وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ á . كما جعل المـرض أو السفر سبباً لإباحة الفِطر فى رمضان كما فى قولـه تعالى : âفَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ á، كما جعل اختلاف الدين سبباً لتحريم زواج غير المسلم بالمسلمة كما فى قوله تعالى : â لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ áوغير ذلك من الأسباب الشرعية للأشياء .
ومن أمثلة النوع الثانى : وهو ما يكون لإثبات ملك أو حل أو إزالتهما، البيع سبب لإثبات الملك وإزالته ، والقرابة والمصاهرة من أسباب استحقاق الميراث ، وعقد الزواج سبب لإثبات حل الاستمتاع بالزوجة ، والطلاق سبب لإزالة الحل ، وإتلاف مال الغير سبب لاستحقاق الضمان .. وهكذا .
· ونود الإشارة إلى أن السبب قد يكون فعلاً مقدوراً للمكلف ،· وقد لا يكون مقدوراً له ،· وإنما هو خارج عن أفعاله . ومثال الأول : البيع والقتل وملك النصاب النامى والعقود الشرعية ،· فهذه الأسباب ترتب أحكامها الشرعية وهذه الأسباب من أفعال المكلَّف . أما الأسباب التى لا تكون فى مقدور المكلَّف كدخول الوقت فهو سبب لإيجاب الصلاة ،· والقرابة سبب للإرث ،· وشهود شهر رمضان سبب لوجوب الصيام ،· وهذه أسباب خارجة عن أفعال المكلَّف .
· ويتبين لنا مما سبق أن السبب قد يكون حسيّاً أى يمكن إدراكه بالحس،· كرؤية الهلال فهى سبب لوجوب صوم رمضان ،· وطلوع الفجر الصادق فهو سبب لوجوب صلاة الصبح ،· وقد يكون معنوياً وهو لا يدرك إلا بالعقل ويكون مرتبطاً بالفعل مثل ارتكاب فعل السرقة ،· وتوفر شروطها الشرعية فهو سبب لترتيب العقوبة على هذا الفعل.
· وإذا وجد السبب وتوفرت شروطه وانتفت موانعه الشرعية ،· ترتب عليه مسبَّبه لزوماً ـ كما قدمنا ـ سواء أكان السبب مقدوراً له أم لا ،· وسواء قصد المكلَّف ترتب المسبَّب على السبب أم لا . فمن تزوج ترتبت على هذا الزواج حقوق الزوجية ،· من مهر ونفقة للزوجة . ومن طلق زوجته طلاقاً ثلاثاً صارت بائنة بينونة كبرى فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره . ومن قتل عمداً عدواناً وجب عليه القصاص . ومن مرض فى شهر رمضان أبيح له الفِطر .. وهكذا فإن المسبَّبات تترتب على الأسباب حتماً،· وسواء قصد المكلَّف ترتب المسبَّب على سببه أم لا .

(2) الشــرط
تعريفه :
· هو ما يتوقف وجود الحكم على وجوده ،· ويلزم من عدمه عدم وجود الحكم . كالطهارة جعلها الشارع شرطاً للصلاة ،· ولا توجد الصلاة إلا بالطهارة .
· والشرط وإن كان يلزم من عدمه عدمُ المشروط ،· إلا أنه لا يلزم من وجوده وجود المشروط ،· فالوضوء شرط لصحة الصلاة ،· ويلزم من عدم الوضوء عدم صحة الصلاة ،· ولا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة. وكذا البلوغ شرط لوجوب الصلاة ،· ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة .
· وهناك فرق بين ركن الشئ وشرطه ،· أن الركن جزء من ماهية الشئ وحقيقته ،· أما الشرط فهو ليس من أجزائه التى يتكون منها ،· بل هو خارج عنها ،· وإن كان كل من الركن والشرط لابد منهما لوجود الشئ .
· فقراءة الفاتحة ركن فى الصلاة ،· لأنها جزء من حقيقتها ،· وكذا القيام وتكبيرة الإحرام ،· والركوع والرفع منه والسجود والجلوس عنه وسائر الأركان .
· والطهارة من الحدث شرط من شروط الصلاة لقوله تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً {،· والطهارة ليست من أجزاء الصلاة بل هى أمر خارج عن ماهيتها .
· كما أن هناك فرقاً بين السبب والشرط : فالسبب يلزم من وجوده وجود الحكم ،· ويلزم من عدمه عدم الحكم ،· أما الشرط فإنه وإن كان يلزم من عدمه عدم الحكم ،· إلا أنه لا يلزم من وجوده وجود الحكم كما قدمنا.
· فصيغة العقد والعاقدان والمعقود عليه أركان للعقد لأنها أجزاء العقد،· وحضور الشاهدين فى عقد الزواج شرط لصحة العقد ،· وليس هذا ركناً فيه،· لأنها ليست من حقيقته وأجزائه المكوِّنة له ،· وإذا اختل ركن من أركان العقد كان هذا خللاً فى أصل العقد يرتب البطلان ،· أما إذا اختل شرط من شروط الصحة كان خللاً فى وصف العقد ،· لأنه لم يكن فى أجزائه المكوِّنة له ،· ويترتب عليه الفساد .
والشروط نوعان : شروط شرعية ، وشروط من وضع المكلَّف .
1ـ أما الشروط الشرعية : فهى التى يشترطها الشارع لصحة التصرفات كشروط الزواج ، وشروط البيع ، وشروط الوصية .. وغير ذلك من الشروط الشرعية الموضوعة لصحة التصرفات ، والشروط الشرعية هى التى تكمل السبب ، فالسرقة سبب لترتيب العقوبة لكن يشترط مع وجود هذا السبب شروط أخرى لتوقيع العقوبة منها عدم الاضطرار إلى السرقة ، وتوفر نصاب الزكاة سبب لوجوب الزكاة ، ولكن يشترط أن يحول عليه الحول وهو عام هجرى ، وأن يكون مالاً نامياً ، والقتل سبب لإيجاب القصاص ولكن يشترط فيه أن يكون عمداً عدواناً ، والزواج سبب حل الاستمتاع بالزوجة لكن يشترط فيه الولى والشاهدان .. وهكذا .
2ـ أما الشروط التى يضعها المكلَّف فى العقد : فهى من وضع المكلَّف، فيشترط فيها ألا تكون منافية لمقتضى العقد ، فإذا اشترط المكلَّف فى البيع مثلاً تعليق الصيغة على شرط فى المستقبل بطل البيع ، لأن الصيغة لابد أن ترتب أثرها فى الحال وهذا مقتضى العقد ، والتعليق على شرط فى المستقبل ينافى مقتضى العقد ، كما يشترط ألا تحرم حلالاً وألا تحلل حراماً لحديث : «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً».
(3) المـانــع
تعريفـه :
· هو ما يلزم من وجوده عدم ترتب المسبَّب على السبب.
· فالمانع يمنع ترتب الحكم على السبب ،· وإن وجد السبب وتوفرت شروطه الشرعية ،· لأن الحكم لا يوجد إلا إذا وجد سببه ،· وشرطه ،· وانتفت موانعه .
· ومن الأمثلة على وجود المانع : حالة قتل الوالد ولده عمداً عدواناً،· فسبب القصاص موجود وهو القتل العمد العدوان ،· ومع ذلك وجد مانع يمنع من إيجاب القصاص ،· وهو أن القاتل والد للمقتول لحديث : «لا يقتل والد بولده». وقتل الوارث مورثه يمنع ترتب الإرث وإن وجد سبب الميراث كالقرابة أو الزوجية،· وهذا يعد مانعاً من الحكم .
· وقد يكون المانع حائلاً دون تحقق السبب ،· كالدين على مالك نصاب الزكاة فإنه يمنع من تحقق سبب إيجاب الزكاة وهو ملك النصاب ،· لأن النصاب تعلق به حق الدائن فصارت ملكية المدين له ملكية صورية ،· وغير حقيقية.
(4) العزيمـة والرخصـة
· العزيمة فى اللغة : العزم هو الجد ،· يُقال عزم على الأمر يعزم عزماً وعزيمة أى أراد فعله.
· وقال الليث : العزم ما عقد عليه قلبُك فى أمر أنك فاعله.
· وفى اصطلاح الأصوليين : ما شرعه الله تعالى من الأحكام العامة لجميع المكلَّفين فى الأحوال العادية بحسب الأصل ،· مثل الصلوات الخمس المفروضة ،· والصيام والزكاة الحج ونحوه ،· وتحريم قتل النفس والزنا وشرب الخمر والتعامل بالربا ونحوه .
· والرخصة لغة : خلاف التشديد ،· وهى ترخيص الله للعبد فى أشياء خففها عنه.
· والرخصة اصطلاحاً : ما شرعه الله تعالى من الأحكام للمكلَّفين فى الأحوال غير العادية رفعاً للحرج عنهم وتيسيراً عليهم .
· والحكم المشروع بطريق الرخصة يعد سبباً فى إباحة المحظور أو ترك الواجب أو إجازة بعض التصرفات التى تعارفوا عليها ـ كما سيأتى.
أنواع الرخص:
رخصة إباحة المحظورات عند الضرورات ، فمن اضطر إلى أكل الميتة أو شرب الخمر لدفع الجوع أو العطش المؤديان إلى الهلاك أبيح له ذلك لقوله تعالى : â فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ á ، وقوله سبحانه : â وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ á ، وقوله سبحانه : â فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ 4 á ، وكذا من أكره على التلفظ بكلمة الكفر أبيح له المحظور مادام قلبه مطمئناً بالإيمان لقوله سبحانه : â إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ á.
رخصة إباحة ترك الواجب على خلاف الدليل المقتضى للوجوب ، إذا وجد عذر يجعل المكلَّف فى حرج ومشقة عند أدائه . ومن الأمثلـة على ذلك إباحة الفطر فى رمضان لعذر السفـر أو المرض لقولـه تعالـى : âفَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ á ، وإباحة قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين بدلاً من أربع لقوله تعالى : â وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ á ، وقوله تعالى : âمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ á.
ومن أمثلة ذلك أيضاً صلاة المريض فإنها تكون على حسب قدرته واستطاعته لما روى عن عمران بن حصين قال : كانت بى بواسير ، فسألت النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة فقال : " صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنبك ". وزاد النسائى : "فإن لم تستطع فمستلقياً لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ". ولما روى عن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "يصلى المريض قائماً إن استطاع ، فإن لم يستطع صلى قاعداً ، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه ، فإن لم يستطع أن يصلى قاعداً صلى على جنبه الأيمن صلى مستلقياً رجلاه مما يلى القبلة ، فإن لم يستطع أن يصلى على جنبه الأيمن صلى مستلقياً رجلاه مما يلى القبلة ". ويـدل على ذلك قوله تعالى : } فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ { ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
رخصة إباحة بعض العقود المستثناة والتى لم تتوفر فيها الشروط العامة لصحة العقود ، ولكن احتاج الناس إلى التعامل بها وساروا عليه مثل عقد السلم وهو عقد على موصوف فى الذمة مؤجل بثمن مقبوض فى المجلس ، أو هو بيع آجل بعاجل ، والمعقود عليه فى السلم معدوم وقت العقد ولكن تعارف الناس على التعامل به ، والقاعدة العامة أنه يشترط أن يكون المعقود عليه موجوداً وقت العقد ، فلا يجوز بيع المعدوم لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تبع ما ليس عندك » ، إلا أن الشارع رخص فى السلم سداً لحاجة الناس ورفعاً للحرج عنهم بقوله صلى الله عليه وسلم : « من أسلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
تقسيم الحنفية للرخصة :
ولقد قسم الحنفية الرخصة إلى قسمين : رخصة إسقاط ، ورخصة ترفيه .
أما رخصة الإسقاط : فهى التى يسقط معها حكم العزيمة ولا يكون مشروعاً ، كحل أكل الميتة وشرب الخمر عند الاضطرار ، وحكم الرخصة يصير هو المشروع ، فيحل للمضطر تناول المحرمات وهذا يقتضى رفع التحريم لقوله تعالى : â فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ á دفعاً لهلاك نفسه ، ولو لم يفعل كان آثماً شرعاً، لأن حكم العزيمة وهو التحريم ـ فى هذه الحالة ـ لا يكون باقياً .
أما رخصة الترفيه : فهى التى لا يسقط معها حكم العزيمة ، بل يكون باقياً ، ويكون المكلَّف بالخيار بين الأخذ بحكم الرخصة ، أو حكم العزيمة ، ومثال ذلك حل تلفظ المكلَّف بكلمة الكفر فى حال الإكراه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، بحيث لو تحمل المكرَه ما هدد به ، ولم ينطق بكلمة الكفر لم يأثم ، بل يثاب على احتماله وصبره ، وكذا الإفطار فى شهر رمضان لعذر المرض أو السفر ، ومع ذلك فإن الصيام خير لأن المقصود بالإباحة هنا هو الترفيه عن المكلَّف ، وإذا عمل بالرخصة ونطق بكلمة الكفر تحت وقع الإكراه لم يكن آثماً لقوله تعالى : â مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ á ، وكذا لو صام رمضان مع السفر أو المرض فلا إثم عليه لقوله سبحانه : â وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ á ، بشرط ألا يترتب على ترك رخصة الترفيه هلاك النفس ، وإلا لزمه الأخذ بها ، لقوله سبحانه : â وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ 4 á ، وقوله تعالى : â وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ á ، وقال سبحانه : â وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ 4 á.
(5) الصحة والبطلان :
والصحة ترتب الآثار الشرعية على ما يصدر عن المكلَّف من أفعال أو أسباب أو شروط ، وسواء كان فى العبادات أو المعاملات أى استتباع الشئ غايته.
فالأسباب الشرعية التى يؤديها المكلَّف كالعقود والتصرفات إذا استوفت أركانها وشروطها الشرعية وصفت بالصحيحة ويترتب عليها الآثار التى وضعها الشارع لها . وكذا ما يؤديه المكلَّف من الأعمال التكليفية ، كالصلاة والزكاة مستوفية أركانها وشروطها الشرعية كانت صحيحة وترتبت عليها آثارها الشرعية ، وتبرأ ذمة المكلَّف بها ، ويثاب عليها فى الآخرة . وكذا ما باشره من الشروط واستوفى أركانه وشروطه الشرعية كالطهارة للصلاة رتبت آثارها الشرعية .
أما البطلان فيراد به عدم ترتب الآثار الشرعية على ما يصدر عن المكلَّف من أفعال أو أسباب أو شروط لاختلال ركن من أركانه ، أو فقدان شرط من شروطه ، وسواء كان واجباً من الواجبات الشرعية كالصلاة الباطلة ، أو سبباً شرعياً كالعقود والتصرفات الباطلة ، أو شرطاً باطلاً .
ولم يفرق جمهور العلماء بين البطلان والفساد ، فكلاهما مترادفان يفيدان معنى واحداً ، وسواء فى مجال العبادات أو المعاملات أو أى تصرف من التصرفات ، وهو عدم ترتب الآثار الشرعية على ما يقوم به ، ولا يسقط الواجب عن المكلَّف ولا تبرأ ذمته منه لاختلال ركن من أركانه أو فقد شرط من شروطه ، فالزواج الباطل مثل الزواج الفاسد لا يترتب عليه أى أثر شرعى ولا تثبت به حقوق للرجل أو المرأة .
أما فقهاء الحنفية : فبالنسبة للعبادات فإنهم يتفقون مع الجمهور فى أن البطلان بمعنى الفساد ويحصل بفوات الركن أو الشرط ، ولا يرتب أثره الشرعى ويجب قضاؤه .
فالعبادة تكون صحيحة إذا أداها المكلَّف مستوفية أركانها وشروطها، وإلا كانت غير صحيحة ، فمن صلى وهو يظن أنه على طهارة ثم تبين لـه أنه لم يكن كذلك فصلاته غير صحيحة وعليه القضاء ، والمرأة إذا أصابها عذر الحيض أو النفاس وهى صائمة ، فصيامها غير صحيح وعليها القضاء.
أما فى أحكام المعاملات : فقسموها إلى صحيحة، وباطلة ، وفاسدة.
· والعقد أو التصرف الصحيح هو الذى استوفى كل أركانه ،· وشروطه فيكون صحيحاً ،· وتترتب عليه جميع آثاره.
· والعقد أو التصرف الباطل هو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه .
· وأصول العقد هى أركانه التى يتكون منها وهى الصيغة،· والعاقدان،· ومحل العقد ،· كالعقد الذى يخالف فيه الإيجاب القبول ،· أو لم يحدث ارتباط بينهما فيه ،· أو كعقد المجنون أو غير المميز ،· أو العقد على غير المباحات كالميتة ،· فإذا كان الخلل فى أى أمر من هذه الأمور كان العقد باطلاً ولا تترتب عليه أى أثر من آثار العقد .
· والعقد أو التصرف الفاسد هو ما شرع بأصله دون وصفه ،· بأن كان الخلل فى شرط خارج عن أصله كالزواج بدون شهود ،· والبيع بثمن أو أجل مجهولين ،· فالعقد فاسد فى الحالتين لأن الخلل قد حدث فى وصف العقد دون أصله وأركانه . والعقد الفاسد تترتب عليه بعض الآثار ،· كثبوت النسب بالدخول فى عقد الزواج الفاسد ووجوب العدة والمهر ،· وترتب الآثار فى البيع الفاسد المجهول الثمن إذا عين الثمن فى المجلس بعد الجهالة،· وكما لو قبض المشترى المبيع فى البيع الفاسد برضاء البائع،· فإن المشترى يتملك المبيع حينئذ ،· ويلزم بتسليم الثمن إلى البائع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:43 am

المحاضرة الثالثة
أركـان الحكم الشرعـى
إن الحكم الشرعى له أركان ثلاثة : الحاكم وهو الذى أصدر الحكم، ومحكوم فيه ، وهو ما يتعلق به الحكم ، ومحكوم عليه وهو المكلَّف بالحكم.
الحاكـــم
· وقد اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى . قال تعالى: â إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ á ،· ويقول سبحانه : } أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ { ،· ويقول تعالى: }وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ { ،· ويقول المولى أيضاً : } أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً {.
· فالحكم خاص به وحده سبحانه فهو مقصور عليه ،· ويقـول سبحانه أيضاً : â فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ á. فالشارع هو الذى يحكم على الأفعال بالحسن أو القبح . والآيات تدل على أنه لا حكم إلا لله تعالى .
· واختلفوا فى حكم الله سبحانه ،· هل يستطيع العقل أن يدركه قبل البعثة وبلوغ الدعوة ،· بحيث يترتب على معرفته الثواب أو العقاب . ثار الخلاف بين العلماء فى ذلك ،· ونعرضه فيما يلى .
1ـ يرى الأشعرية : أن العقل الإنسانى لا يستطيع قبل البعثة إدراك الأفعال الحسنة ليفعلها والأفعال القبيحة ليتجنبها ، فلابد من التبليغ ووصول حكم الشارع إلى الإنسان حتى يثاب على الفعل أو يسأل عن عدم الأخذ به ، لاختلاف العقول فى الحكم على الأفعال ، فقبل البعثة لا يتعلق حكم الله تعالى بأفعال العباد.
2ـ ويرى المعتزلة : أن العقل يستطيع إدراك الحسن والقبيح من الأفعال ، وأن الشرع كاشف عما أدركه العقل قبل وروده ، فما أدركه العقل حسناً كان مأموراً به من الله تعالى ، ويستحق فاعله الثواب ويعاقب على تركه، وما رآه العقل قبيحاً كان منهياً عنه من الله سبحانه ، ويعاقب على فعله ، حتى ولو كان قبل تبليغ رسالات الله تعالى.
وأساس هذا الرأى كما ذكر الإمام الشوكانى : " فالعقل يعلم بالضرورة حسن الصدق النافع ، وقبح الكذب الضار ، ويعلم نظراً حسن الصدق الضار ، وقبح الكذب النافع ".
ولكن هناك أمور لابد منها من نص شرعى ليبين للناس وجه الحُسن فيما شرع ، ووجه القُبح فيما نهى عنه ، لأن العقل لا يستقل وحده بمعرفتها.
ولكنَّا لا نسلم بأن إدراك العقل قبل البعثة حُسناً أو قُبحاً للأفعال مرتباً للثواب أو العقاب ، لأنه لابد من إرسال الرسل للناس ، وتبليغهم حكم الله تعالى ، حتى يثابوا على ما يفعلون من أفعال حسنة ، أو يُعاقبوا على عدم اجتناب الأفعال القبيحة . وغاية ما يستطيع العقل إدراكه أن الفعل الحسن يُمدح فاعله ، وأن الفعل القبيح يُذم فاعله .
3ـ وذهب رأى ثالث لعلماء الكلام أن أفعال المكلَّفين توصف بالحسن أو القبح قبل إرسال الرسل ، وإنزال الكتب السماوية ، والعقل قد يستطيع معرفة الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة ، إلا أنه لا يلزم أن تكون أحكام الله فى أفعال المكلَّفين على وفق ما تدركه عقولهم من حسن أو قبح ، لأن العقول قد تشتبه عليها الأمور وتخطئ ، ولا يمكن معرفة حكم الله تعالى إلا عن طريق التبليغ .
ويبدو لى رجحان الرأى الأخير لأن العقول قاصرة ، وقد تختلط عليها الأمور ، فلابد من الشرع .
وقد قال الإمام الشوكانى بعد أن ذكر الآراء فى هذا الشأن : "وبالجملة فالكلام فى هذا البحث يطول وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسناً أو قبيحاً مكابرة ومباهتة ، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقاً للثواب ، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقاً للعقاب فغير مسلم ، وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يُمدح فاعله ، وهذا الفعل القبيح يُذم فاعله، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقاً للثواب والعقاب ، ومما يستدل به على هذه المسألة فى الجملة قوله سبحانه : â وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا á، وقوله تعالى : â وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى á ، وقوله تعالى : â لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ á.
المحكــوم فيــه
· والمحكوم فيه هو فعل المكلَّف الذى يتعلق به خطاب الشارع بالإيجاب أو الندب أو الكراهة أو الإباحة ،· أو بجعل هذا الفعل سبباً لشئ أو شرطاً له أو مانعاً منه .
· فقوله تعالى : â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ á ،· فالخطاب أفاد الندب ،· وتعلق بفعل المكلَّف فصار هذا الفعل،· وهو كتابة الدين،· مندوباً. وقوله تعالى: â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ 4á ،· فالخطاب أفاد الإيجاب ،· وتعلق بفعل المكلَّف ،· فصار الإيفاء بالعقود واجباً . وقوله تعالى : â وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا á ،· أفاد الخطاب التحريم وتعلق بفعل المكلَّف ،· فصار الزنا محرماً،· وقوله تعالى : â فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 4 á ،· فالخطاب أفاد إباحة الفطر فى رمضان بسبب السفر أو المرض ،· وتعلق الخطاب بفعل المكلَّف وهو الفطر بسبب السفر أو المرض فى رمضان فصار مباحاً ،· وقوله تعالى: â وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا á ،· فالخطاب أفاد إباحة الصيد بعد الحل من الإحرام ،· وتعلق بفعل المكلَّف وهو الصيد فصار مباحاً ،· وقوله تعالى : â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ á ،· فالخطاب جعل فعل المكلَّف وهو الطهارة بالغسل أو الوضوء شرطاً لصحة الصلاة ،· وقوله تعالى: â الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ á ،· خطاب من الله تعالى ،· تعلق بفعل المكلَّف وهو الزنا ،· فجعله سبباً لاستحقاق عقوبة الجلد ،· وقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس لقاتل ميراث » خطاب من الشارع تعلق بفعل المكلَّف وهو قتل المورث،· فجعله مانعاً من الميراث.
· ويلاحظ أن الشارع لا يكلف أحداً إلا بفعل ،· والفعل قد يكون عملاً إيجابياً أو سلبياً،· ففى الأوامر يكلف الشخص بفعل المأمور به إيجاباً أو ندباً،· وفى النواهى يكلف الشخص بترك المنهى عنه فى خطاب الشارع ،· وسواء تضمن الخطاب التحريم أو الكراهة ،· أما فى حالة الإباحة فإن المكلف يخير بين الفعل والترك ،· فكلاهما سواء .
· والتكاليف الشرعية قد وردت بنصوص عامة ،· إلا أنه قد يحدث عند التطبيق أن يلحق ببعض الأفراد الحرج أو المشقة الزائدة عن قدرة الإنسان العادية عند الإتيان بهذه التكاليف ،· لهذا وجدنا الشارع الحكيم يضع الأحكام التى ترفع الحرج عن هؤلاء الناس .
· ومن أمثلة ذلك أنه شرع الصلاة ورخص للعاجز عن القيام فيها أن يصلى قاعداً أو على جنبه أو على أى هيئة وفقاً لاستطاعته ،· يقول تعالى : } لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا {. كما شرع الصوم ورخص فى الفطر للمسافر والمريض وعليهما القضاء فى أيام أخر بعد زوال حال السفر والمرض ،· والذى لا يستطيع القضاء لكبر أو مرض لا يزول فعليه فدية طعام مسكين ،· قال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {.
· كما وضع فى حال الضرورة أحكام تختلف من حال السعة والاختيار ،· ومن ذلك قولـه تعالى : } إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { ،· وقوله تعالى : } فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {.
شـروط المحكوم فيه :
ويشترط فى المحكوم فيه شرطان :
الشرط الأول : أن يكون الفعل معلوماً للمكلَّف علماً تاماً ، فلا يجوز تكليفه بما يجهله ، وقد نزل القرآن بالأحكام التفصيلية ، والأحكام الإجمالية، وقد بين لنا رسول الله r ما جاء مجملاً فى القرآن الكريم، فقال: «صلّوا كما رأيتمونى أصلى»، وقال : « خذوا عنى مناسككم » ، وقال : « هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى » ، وبين لنا مقادير الزكاة والأموال التى تفرض فيها .. وهكذا.
· ويعتبر المكلَّف عالماً بالأحكام الشرعية التى نزلت على رسول الله r بوجوده فى دار الإسلام ،· لأنه يتاح له العلم بها بنفسه مادام موجوداً فى دار الإسلام ،· أو كان علمه بأحكام الشرع ممكناً له إذا كان خارجاً عن ديار الإسلام ،· وقد جاء القرآن بالأحكام الشرعية ،· ثم أتت السنّة وبينت النصوص المجملة فى القرآن كما قدمنا ،· وخصصت العام،· وقيدت المطلق،· وفى هذا الشأن يقول سبحانه : â وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ á ،· لأنه بهذا العلم تتجه إرادته إلى الامتثال ،· وعليه فلا يقبل منه الاعتذار بالجهل بالأحكام الشرعية ،· مادام بالغاً عاقلاً قادراً على معرفة الأحكام الشرعية بنفسه ،· أو عن طريق غيره .
الشرط الثانى : أن يكون الفعل المكلَّف به ممكناً مقدوراً له وسواء كان فعلاً أو تركاً. وأفعال المكلف بالنسبة لقدرته عليها من عدمها تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أفعال خارجة عن قدرة المكلَّف واستطاعته :
فهذه الأفعال لا تكليف عليه بها ، لقوله سبحانه : â لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا á. ومن الأمثلة على عدم التكليف بما لا طاقة للإنسان به ما ورد فى قول الله سبحانه : â وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُواá ، فالشرع أمر بالعدل فى الأمور المادية والتى تدخل فى طاقة الإنسان ووسعه كالمبيت والنفقة ، وقال سبحانه فى ا???? التالية للآية المذكورة : â وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ á ، فالمراد بالعدل المنفى فى الآية الكريمة هو الميل القلبى ، ولذلك حذر القرآن من تأثير هذا الميل القلبى على حقوق الزوجة الأخرى المادية ، والتى أمر الشرع بالعدل فى نطاقها فقال سبحانـه : â فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ á .
القسم الثانى : الأفعال التى تكون داخلة فى حدود قدرة الإنسان واستطاعته :
لكنها تجلب عليه مشقة بالغة ، وتوقعه فى الحرج كصوم الوصال ، والتبتل وهو الانقطاع للعبادة وترك الزواج ، ولهذا نهى الرسول r عن صوم الوصال وعن التبتل.
ومبادئ الشرع الحنيف ترفع الحرج عن الناس ، وهذه هى وسطية الإسلام، وتوازن الأحكام ، وفى هذا يقول رسول الله r : « إنى لأخشاكم لله وأتقاكم لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى » ، ويقول سبحانه : â وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ á ، ويقول سبحانه : â يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ á ، وقال أيضاً : â يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًاá ، ويقول صلى الله عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا وبشِّروا ولا تنفِّروا » ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه » .
القسم الثالث : الأفعال التى تدخل فى حدود قدرة الإنسان واستطاعته ولا توقعه فى مشقة غير محتملة
وجميع التكاليف الشرعية تندرج تحت هذا النوع من التكاليف ، لأن أداءها قد يكلف الشخص مشقة لكنها وفق طاقته واحتماله ، كصوم رمضان فإنه لا يخلو من المشقة المحتملة ، إلا أن الشارع رخص فى الفطر فى حال السفر أو المرض ، لأنه قد يلحق المكلَّف مشقـة زائـدة أو غير معتادة فى هذين الحالين ، فلذلك كان الترخيص بالفطر فى قوله سبحانه : â وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ á.
المحكــوم عليـه
تعريفه :
هو المكلَّف الذى تعلق حكم الشرع بأفعاله .
شروط التكليف :
يشترط لصحة التكليف الشرعى ما يلى :
1ـ أن يكون الشخص بالغاً عاقلاً :
ويشترط البلوغ والعقل لكى يكون قادراً على فهم النصوص الشرعية التى يُكلَّف بها ، وسواء كان قادراً على فهمها بنفسه أو بواسطة غيره حتى تتجه إرادته إلى الفعل ويمكنه الامتثال .
· وبناء عليه ،· فالصبى والمجنون غير مكلَّفين لعدم توفر البلوغ أو العقل،· وكذا لا يكلف النائم ،· وذلك لعدم تمكنهم من فهم الخطاب الشرعى . وفى الحديث : « رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ».
· وقد يثور التساؤل : لماذا وجبت الزكاة والنفقة والدية وضمان المتلفات على الصبى والمجنون ؟
· فالجواب : إنما هى حقوق للناس متعلقة بأموالهما ،· ويؤديها عنهما وليهما من أموالهما ،· وليس من جهة المسئولية والتكليف ،· لأنه لا مسئولية عليهما ـ كما قدمنا ـ لعدم العقل أو لعدم البلوغ ،· ولحديث : «اتجروا فى أموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة ».
· كما يثور التساؤل أيضاً : بأن خطاب الشارع قد يكون للسكارى وهم غير مكلَّفيـن لعدم توفر القصد والإدراك لديهم ،· كما فى قوله تعالى : â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ á.
· فالجواب هو أن النهى موجّه للمؤمنين قبل حال السكر أن يقربوا الصلاة وهم سكارى ،· فالخطاب موجّه لهم قبل سكرهم ،· وكان هذا على سبيل التدرج فى تحريم الخمـر ،· ثم بعد ذلك نزل قولـه تعالى : â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ á،· وبهذا الأمر باجتناب الخمر تم التحريم.
2ـ أن تتوفر لديه أهلية التكليف :
وتنقسم الأهلية إلى قسمين : أهلية وجوب ، وأهلية أداء .
ـ أما أهلية الوجوب : فمعناها اصطلاحاً صلاحية الشخص لأن تثبت له الحقوق ، وتجب عليه الواجبات ، وهى ما يسميها الفقهاء الذمة ، وهى الصفة الطبيعية التى يثبت بمقتضاها حقوق للإنسان على غيره ، وتجب عليه واجبات لغيره . وأهلية الوجوب تثبت لكل إنسان ، وسواء أكان جنيناً فى بطن أمه ، أم صغيراً غير مميز ، أم صغيراً مميزاً ، أم بالغاً ، أم رشيداً، أم غير رشيد ، أم عاقلاً ، أم مجنوناً ، وتستمر معه حتى وفاته .
أقسام أهلية الوجوب:
تنقسم أهلية الوجوب إلى : أهلية وجوب ناقصة ، وأهلية وجوب كاملة.
· وأهلية الوجوب الناقصة هى صلاحية الإنسان لإثبات الحقوق له دون أن تجب عليه واجبات لغيره ،· وتثبت أهلية الوجوب الناقصة للجنين فى بطن أمه ،· فإنه تثبت له حقوق قِبل غيره ،· كأن يرث ويوصى له ،· ويستحق فى غلة الوقف . أما الحقوق التى تحتاج إلى قبول كالهبة فإنها لا تثبت للجنين لأنه ليس لـه عبارة ،· ولا يكون لـه وصى أو ولى عليه ليقبل نيابة عنه . والفقه الإسلامى وإن أجاز إقامة أمين ليحافظ على مال الجنين إلا أنه ليس فى حكم الوصى الذى يجوز لـه قبول الحقوق نيابة عنه.
· إلا أن قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 فى المادتين (28 ،· 29) قد أجاز إقامة وصى مختار من قِبل الأب أو معين من قِبل المحكمة لقبول الهبة .
· كما أجاز قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946 فى مادته العشرين تعيين ولى على مال الجنين لقبول الوصية نيابة عنه ،· وله الحق فى قبول الهبة أيضاً ،· حيث نصت هذه المادة على ما يلى : " تلزم الوصية بقبولها من الموصى لـه صراحةً أو دلالة بعد وفاة الموصِى ،· فإذا كان الموصَى لـه جنيناً أو قاصراً أو محجوراً عليه يكون قبول الوصية أو ردها ممن لـه ولاية على ماله بعد إذن المجلس الحسبى " .
· أما الواجبات فلا يلتزم بها الجنين لأن أهلية الوجوب ناقصة ،· فلا يجب عليه نفقة للأقارب ولا ثمن مبيع ونحوه.
· أما أهلية الوجوب الكاملة فهى صلاحية الإنسان لإثبات الحقوق له ووجوب الواجبات عليه التى يمكن أداؤها عنه .
· وتثبت لكل إنسان من وقت ولادته وفى كل مراحل حياته ،· فتجب له النفقة على غيره ،· كما تجب عليه النفقة لغيره من أمواله ،· ويتولى وليه المطالبة بحقوقه وأداء ما عليه من واجبات ،· كضمان المتلفات والزكاة المفروضة عند الجمهور ،· وإذا ارتكب الصبى جريمة من جرائم الحدود أو القصاص فلا حد عليه ولا قصاص ،· وتجب الدية فى حالة إذا انعدمت عاقلته . وإذا ارتكب أحد أقاربه جريمة تستوجب الدية على العاقلة فلا تجب عليه فى ماله لأنها جزاء التقصير فى منع القاتل عن جريمته والصبى لا يُسأل عن ذلك .
· وأما أهلية الأداء فهى صلاحية الإنسان لصدور الأقوال والأفعال منه مرتبة آثارها الشرعية .
· ومناط أهلية الأداء العقل والتمييز. والإنسان بالنسبة لأهلية الأداء له ثلاث حالات :
الحالة الأولى : إذا كان صغيراً غير مميز ، أى دون السابعة ، أو مجنوناً ، فلا تثبت له أهلية الأداء ، ويعتبر عديم الأهلية للأداء ، ولا يعتد بأقواله وأفعاله الصادرة عنه شرعاً ، ولا تترتب عليها أى آثار شرعية، فعقوده وتصرفاته باطلة ، وإذا ارتكب أحدهما فعلاً سبّب ضرراً للغير فإنه يلزم وليهما الشرعى بإخراج الضمان من مالهما فقط ، ولا يعاقبان بالعقوبات الشرعية كالقصاص لانعدام القصد والإدراك فيهما .
الحالة الثانية : وهى حالة الصغير المميز ، وهو الذى بلغ السابعة من عمره دون أن يبلغ الحُلم ، فتثبت له أهلية الأداء الناقصة لوجود العقل والتمييز ، والمعتوه وهو ناقص العقل إذا كان مميزاً فإنه يأخذ حكم الصبى المميز .
وأما حكم تصرفاته فيختلف باختلاف نوع التصرف ، ونبينه فيما يلى :
1ـ إذا كانت تصرفاته ضارة ضرراً محضاً : كالهبة والوصية والوقف والطلاق ، فهى باطلة حتى وإن أجازها الولى .
2ـ إذا كانت تصرفاته نافعة نفعاً محضاً كقبوله الهبة أو الوصية أو الوقف فهى صحيحة ، لأنها زيادة له لا نقصان ، ولا ضرر فيها .
3ـ إذا كانت تصرفاته دائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء فتصح منه، ولكنها تكون موقوفة على إجازة وليه إن أجازها نفذت وإلا بطلت .
الحالة الثالثة : إذا بلغ عاقلاً ثبتت له أهلية الأداء الكاملة ، فيصير مكلَّفاً بالواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة وغيرهما ، ولا يكون أهلاً لإنشاء العقود وإبرام التصرفات دون حاجة إلى إذن وليه ، إلا إذا صار رشيداً مع البلوغ والعقل ، فحينئذ تترتب آثارها الشرعية بمجرد صدورها منه ، يقول تعالى : â وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ á.


عوارض الأهليـة :
· بينا أن أهلية الوجوب تثبت لكل إنسان ،· وتكون ناقصة وهو جنين فى بطن أمه ،· وبعد ولادته تثبت له أهلية وجوب كاملة مادام حيّاً وتبقى معه فى كل أحواله صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو مجنوناً رشيداً أو سفيهاً ولا تنقص بعد ولادته ولا تنعدم ولا تزول عنه إلا بالموت .
· أما أهلية الأداء فتكون ناقصة إذا كان الإنسان صغيراً مميزاً عاقلاً،· والتمييز يحصل ببلوغه سن السابعة من عمره ،· وتستمر معه أهلية الأداء الناقصة إلى سن البلوغ. وقد بينا حكم تصرفات الإنسان فى هذه المرحلة من عمره.
· وتكون أهلية الأداء كاملة إذا بلغ الإنسان عاقلاً رشيداً .
· وأهلية الأداء الكاملة قد تعرض لها عوارض تزيلها أو تنقصها ،· والذى يعرض للإنسان نوعان :
النوع الأول : عوارض لا اختيار للإنسان فيها ، كالجنون والعته والنسيان والنوم والإغماء ، والأخيران عارضان مؤقتان يمنعان فهم خطاب الشارع وقت النوم أو الإغماء ، وتنعدم معهما أهلية الأداء انعداماً مؤقتاً .
والنوع الثانى : ما يكون باختياره وكسبه كالسكر والسفه والدين.
· والسكر : هو غيبة العقل مؤقتاً بسبب شرب المسكرات . وقد اختلف الفقهاء فى الاعتداد بأقواله ،· فمنهم من رأى عدم الاعتداد بها لعدم إدراكه وقصده .
· ومنهم من يرى التفريق بين أن يكون السكر بمباح أو بمحرم ،· فإن كان بمباح تبطل تصرفاته لعذره ،· وإن كان بمحرم وهو مختار صحت تصرفاته زجراً له .
· والسفه : خفة تجعل صاحبها ينفق ماله على غير ما يقتضيه العقل والشرع.
· وهذه العوارض منها ما يزيل أهلية الأداء ويعدمها كالجنون والنوم والإغماء ،· ولا يترتب على التصرفات الصادرة من عديم الأهلية أى أثر شرعى ،· ماعدا الحقوق المالية التى تترتب على أعمالهم ،· فتثبت فى
أموالهم ويؤديها عنهم الأولياء ،· والتزامات النائم والمغمى عليه تؤدى بعد اليقظة والإفاقة .
· ومنها ما يعرض للإنسان فينقص أهلية الأداء ،· ولا يعدمها كالعته،· فتصرفات المعتوه المميز تأخذ حكم تصرفات الصبى المميز كما قدمنا .
· ومنها ما يعرض للإنسان فلا يؤثر فى أهلية الأداء لا بالفقد ولا بالنقصان ،· ولكن يغير بعض أحكامه لاعتبارات ومصالح اقتضت ذلك . كالسفه والغفلة والدين المستغرق ومرض الموت ،· فإنه يحجر على كل من السفيه وذى الغفلة والمدين بدين مستغرق ،· ويمنع من التصرفات المالية حفظاً للأموال من الضياع فى حال السفه أو الغفلة ،· أو محافظة على حقوق الدائنين ،· وبقدر حماية هذه الحقوق ،· فلا يجوز للمدين التصرفات الضارة بحقوق الدائنين ،· وكذلك المريض مرض الموت يمنع من التصرفات الضارة بالورثة ،· فله أن يوصى بما لا يزيد عن ثلث تركته ،· وتبطل الوصية بالزائد عن الثلث ما لم يجزها الورثة فإن أجازوها نفذت وإلا بطلت.
· والإكراه الملجئ ،· وهو ما يتحقق بالتهديد بإتلاف النفس أو أحد الأعضاء ،· أما غير الملجئ فيتحقق بالتهديد بما لا إتلاف فيه ،· وهذا الأخير لا يجوز للمكره أن يفعل ما أكره عليه ،· ويتحمل تبعات أفعاله . والإكراه الملجئ يعدم الرضا ويفسد الاختيار ،· وتصرفات المكره باطلة على رأى جمهور الفقهاء .
· أما الحنفية فإنهم يرون أن الإكراه لا يبطل خمسة عقود وهى : الزواج،· والطلاق ،· والعتاق ،· واليمين ،· والرجعة ،· لأن حق الله فيها ظاهر،· أما العقود المتعلقة بحقوق العباد ،· فإن الإكراه يجعلها موقوفة على إجازة المكره بعد زوال الإكراه فإن أجازها نفذت وإلا بطلت.
· فهذه هى العوارض التى تعرض لأهلية الأداء فتؤدى إما إلى إزالتها فتبطل معها التصرفات ،· وإما إلى نقصها ـ كما بينا ـ فتصح معها بعض التصرفات دون البعض الآخر .
· وإذا أصاب الإنسان السفه أو الغفلة تظل أهلية الأداء بالنسبة له كاملة،· لكن بالنسبة للسفيه وذى الغفلة يؤدى هذا إلى تغير بعض الأحكام لاعتبارات ومصالح اقتضت ذلك . فيحجر على السفيه وذى الغفلة حفاظاً على أموالهما من التبديد والضياع ،· إلى أن تزول حالة السفه أو الغفلة فيدفع إليهما أموالهما ،· لقوله تعالى : â وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ( á.
· ويرى جمهور العلماء أن السفيه إذا نكح أو طلق زوجته أو خالعها فإنه يصح نكاحه وطلاقه وخلعه.
· وأما وصيته فى حدود الثلث فلا خلاف فى صحتها ونفوذها ،· وتبطل تصرفاته الضارة بماله ضرراً محضاً كالهبة والتصدق على الغير.
· وبالنسبة لتصرفاته الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والإجازة فإنها موقوفة على إجازة وليه إن أجازها نفذت وإلا بطلت ،· أى أن تصرفاته المالية تأخذ حكم تصرفات الصبى المميز .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:43 am

المحاضرة الرابعة
أدلــة الحكـم الشرعـى
(مصـادره)
مقدمة عن الأدلـة :
· الدليل فى اصطلاح الأصوليين هو ما يُستفاد منه حكم شرعى عملى على سبيل القطع أو الظن ،· ودليل الحكم ،· وأصل الحكم ،· والمصدر الشرعى للحكم كلها ألفاظ مترادفة تفيد معنى واحد .
· والدليل إما أن يستدل به على الحكم الشرعى دلالة قطعية أم دلالة ظنية،· ولهذا قسم علماء الأصول الدليل إلى قطعى الدلالة ،· وإلى ظنى الدلالة .
والأدلة الشرعية : منها ما اتفق العلماء على الاستدلال بها وهى القرآن والسنّة.
· ومنها ما اتفق جمهور العلماء على الاستدلال بها وهى الإجماع والقياس.
· ومنها ما اختلف العلماء على الاستدلال بها فمنهم من استدل بها على الحكم الشرعى ،· ومنهم من لم يعتبرها أدلة شرعية ،· وأشهرها : الاستحسان،· والمصلحة المرسلة ،· والاستصحاب ،· وقول الصحابى ،· وشرع من قبلنا،· والعرف .
· وقد دل القرآن الكريم على الاستدلال بالأدلة الأربعة وهى : القرآن والسنّة والإجماع والقياس فى قوله سبحانه: â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا á.
· فالله سبحانه أمر بإطاعة الله وإطاعة رسوله r وأولى الأمر من المسلمين ،· وهذا يعد أمراً بالعمل بالقرآن والسنّة ،· والعمل بإجماع المجتهدين من الحكام ،· لأن أولى الأمر من المسلمين هم الحكام المجتهدون،· وعند الاختلاف فى حكم واقعة من الوقائع ،· فإن الله أمر برده إلى الله ورسوله ،· وهذا أمر بالعمل بالقياس ،· حيث لا يوجد النص من القرآن أو السنّة أو الإجماع ،· لأن القياس يحصل به رد المسألة المختلف فى حكمها بين العلماء لعدم ورود نص فيها إلى واقعة منصوص على حكمها فى القرآن أو السنّة لاشتراك الواقعتين فى علة الحكم عند المجتهد.
· وقد بينت السنّة ترتيب العمل بهذه المصادر الأربعة فيما روى أن رسول الله r لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له : « كيف تقضى إذا عرض لك قضاء » قال : أقضى بكتاب الله ،· قال : « فإن لم تجد فى كتاب الله؟» قال: فبسنّة رسول الله ،· قال : « فإن لم تجد فى سنّة رسول الله؟» قال : أجتهد رأيى ولا آلو (أى لا أقصر) ،· فضرب رسول الله r على صدره ،· وقال : «الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله».
· وكان أبو بكر الصديق ـ رضى الله تعالى عنه ـ إذا ورد عليه الخصوم نظر فى كتاب الله تعالى ،· فإن وجد فيه حكماً قضى به ،· وإن لم يجد فى القرآن ،· وعلم من رسول الله r فى ذلك سنّة قضى بها ،· فإن أعياه أن يجد فى السنّة جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم ،· فإن أجمع أمرهم على أمر قضى به ،· وكذلك كان يفعل عمر.
ونتناول كل دليل من هذه الأدلة :
- الأدلة المتفق عليها بين العلماء .
- الأدلة التى اتفق جمهور العلماء على الاستدلال بها.
- الأدلة التى اختلف العلماء على الاستدلال بها .
الأدلة المتفق عليها بين العلماء
· والأدلة المتفق عليها بين العلماء هى القرآن والسنّة ،· وهما أصل التشريع وأساسه .
القرآن الكريـم
تعريفـه :
· هو كلام الله تعالى المنزل على رسوله محمد بن عبد الله r باللفظ العربى والمعنى ليكون حجة الله البالغة ،· ونوراً مبيناً يهتدى به الناس ،· والمتعبد بتلاوته ،· وهو المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس والمنقول إلينا بطريق التواتر .
· وقد حفظه الله سبحانه من التبديل والتغيير مصداقاً لقوله عز وجل: âإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ á.
خصائص القرآن الكريم :
· ومن تعريف القرآن الكريم يتبين لنا خصائصه ،· فإن انتفى شئ منها فلا يطلق على ما يروى عن رسول الله r قرآناً . ومن هذه الخصائص ما يلى :
1ـ إن القرآن نزل على رسول الله r باللفظ العربى والمعنى عن طريق الوحى من عند الله سبحانه وتعالى ومهمة الرسول r تبليغه للناس كما تلقاه من الله سبحانه وتعالى .
· وبهذا يتميز القرآن عن الأحاديث القدسية ،· أو الأحاديث النبوية ،· لأن الحديث وسواء كان قدسياً أم نبوياً يكون لفظه من عند رسول الله r ،· أما معناه فقد أوحى الله تعالى به إليه ،· فلفظ الحديث من عند رسول الله r ومعناه من عند الله سبحانه ،· أما القرآن فاللفظ والمعنى نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله r ،· إلا أن الحديث القدسى يختلف عن الحديث النبوى فى أن الحديث القدسى يبلغه الرسول r عن ربه ،· مع التصريح بنسبته إلى الله سبحانه ،· مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « قال الله تعالى : أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه» ،· أما الحديث النبوى فلا ينسبه صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى،· كقولـه صلى الله عليه وسلم : «من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ».
· ويلاحظ أن الأحاديث وسواء كانت قدسية أم نبوية ليست معجزة ولا يصح الصلاة بها ،· ولا يتعبد بتلاوتها ،· لأنها ليست قرآناً .
· كما أن تفسير القرآن بألفاظ عربية لا يعد قرآناً ،· لأن القرآن هو اللفظ الذى نزل من عند الله تعالى بخلاف التفسير فهو ليس من ألفاظ الله تعالى .
· وترجمة القرآن إلى غير العربية ليست قرآناً ،· ولا تثبت لها أحكامه ،· فلا تعد دليلاً شرعياً ولا تصح الصلاة بها ولا يتعبد بتلاوتها ،· وإن كانت تعد تفسيراً وبياناً للقرآن إذا صدرت من متخصص أمين ،· لأن القرآن قد نزل على رسول الله r بألفاظٍ وأساليب عربية ،· يقول سبحانه : â إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا á ،· وقوله عزّ وجلّ : â كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا á.
· ولا يقدح فى كون القرآن عربياً اشتماله على بعض الألفاظ التى يرى بعض العلماء أنها ليس أصلها عربياً مثل لفظ « مشكاة » فى قولـه تعالـى : â اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ á،· ولفظ « قسورة » أى الأسد بلغة الحبشة فى قوله سبحانه: â فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ á لأن هذه الألفاظ قد أدخلها العرب فى لغتهم وصارت عربية.
2ـ ومن خصائص القرآن أنه نقل إلينا بالتواتر ، أى بطريق النقل الذى يفيد القطع واليقين بصحة نقله وثبوته ، فقد حفظ فى الصدور ودوِّن فى المصاحف ، ونُقل إلى الناس فى جميع البلاد والعصور جيلاً بعد جيل ، مما يبعث اليقين والجزم بأنه الكتاب الذى أنزله الله على رسوله محمد ليبلغه للناس ، وقد حفظه الله من التبديل أو التحريف ، قـال تعالى : â إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ á، ويقول عـزّ وجلّ : â وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ á.
3ـ ومن خصائص القرآن الكريم أنه معجز : فقد تحدى القرآن العرب ـ وهم أهل الفصاحة والبيان ـ أن يأتوا بمثله فعجزوا ، قال تعالى: â أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَá . ثم تحداهم أن يأتو بعشر سور مثله فعجزوا قال تعالى : â أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ á. ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله فعجزوا ، قال تعالى : â قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ á. وهو كلام مركب من ألفاظهم ولغتهم العربية ، مع وجود المقتضى الذى يدفع المتحدى إلى المعارضة والمنازلة ، وهو إبطال دينهم ، وما وجدوا عليه آباءهم ، وتسفيه عقولهم ، والسخرية من آلهتهم وهى الأصنام التى يعبدونها بزعم أنها تقربهم إلى الله زلفى ، فليس هناك ما يمنع من هذه المنازلة والمباراة ، فالقرآن نزل بلسانهم العربى ، وهم أهل الفصاحة والبيان والشعر والخطابة ومعهم الزمن العريض لأن القرآن نزل منجماً أى مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين عاماً . وفى هذا يقـول تعالى : â قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا á ، وقوله تعالى: â قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ á، وقال سبحانه : â أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ á، وقال سبحانه : â وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَá ، وقال سبحانه : â أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَá.
· والقرآن هو معجزة الرسول ،· وقد أراد الله لها أن تكون معجزة عقلية معنوية لا مادية ،· كما حدث لعيسى عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ،· وصيرورة العصا لموسى حية تسعى ،· وإنما كانت معجزة الرسول r معنوية ليستمر بقاؤها على مر الزمان حاملة معها دليل صدق الرسول محمد r للدنيا بأسرها ،· وفى كل زمان ومكان ،· وهذا ما يتلاءم مع عموم رسالته وبقائها حتى يوم القيامة ،· قال تعالى : â أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ á.
وجـوه إعجاز القـرآن :
· لقد ألفت العديد من المصادر والكتب التى خصصت لبيان وجوه الإعجاز فى القرآن الكريم قديماً وحديثاً ،· ولاتزال الكتب العلمية تقدم للناس الكثير من أسرار القرآن ووجوه إعجازه ،· لأن العقول لم تصل حتى الآن إلى إدراك نواحى الإعجاز كلها وحصرها فى أمور معينة ،· فكلما تأمل الإنسان العالم فى آيات القرآن ،· وكشف العلم من أسرار الكون ،· وعجائب الكائنات ظهرت وجوه من وجوه إعجاز هذا الكتاب العزيز ،· وصدق الله العظيم إذ يقول : âسَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ á.
· ويشير رسول الله r إلى جوانب إعجاز القرآن فيما رواه الإمام على ـ رضى الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله r يقول : « ستكون فتن » ،· قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ،· قال : « كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ،· وخبر ما بعدكم ،· وحكم ما بينكم ،· هو الفصل ليس بالهزل من تركه من خيار قصمه الله ،· ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله ،· وهو حبل الله المتين ،· وهو الذكر الحكيم ،· وهو الصراط المستقيم ،· وهو الذى لا تزيغ فيه الأهواء،· ولا تلتبس به الألسنة ،· ولا تشبع منه العلماء ،· ولا يخلق على كثرة الرد ،· ولا تنقضى عجائبه ،· من قال به صدق ،· ومن عمل به أُجر ،· ومن حكم به عدل ،· ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ».



ونوجز فيما يلى بعض وجوه الإعجاز فى القرآن الكريم:
1ـ توافق آياته ومعانيه ومبادئه وأحكامه:
· فلا يوجد تعارض بين آية وأخرى،· لا تناقض بين معنى وآخر ،· أو حكم وآخر ،· وهذا مع كثرة آياته والتى بلغت ستة آلاف ،· لأنه من عند الله تعالى ،· فلذا خلا من التعارض والاضطراب ،· بل اتسقت عباراته فى فصاحتها وبلاغتها ومطابقتها لمقتضى الحال الذى نزلت فيه ،· كما أن المعانى والأحكام والمبادئ التى اشتمل عليها القرآن كلها متوافقة وغير متناقضة ،· ولا تعارض بينها ،· ولو كان هذا القرآن من عند غير الله ـ مع كثرة أحكامه وآياته ومبادئه وطول الزمن الذى نزل فيه وهو ثلاث وعشرون سنة ـ لوجد فيه الاختلاف والاضطراب ،· يقول تعالى : â وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا á.
· وما يراه بعض الناس من وجود تعارض ظاهرى بين ما دلت عليه آية وما دلت عليه أخرى ،· فقد بيَّن العلماء أنه ليس هناك تعارض أو تناقض وإنما هو خطأ فى فهم هؤلاء وخلل فى تفكيرهم ،· وعند البحث والنظر يتبين للناظر أنه لا تناقض ،· ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : â مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ 4 á مـع قولـه تعالى : â قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ á ،· فالآية الأولى تدل على أن الحسنات من عند الله تفضلاً منه سبحانه على عباده ،· والسيئات تأتى بسبب اتباع الهوى والنفس والشيطان،· والبعد عن منهج الشرع ،· وأما الآية الثانية فإنها تدل على أن الحسنات والسيئات من عند الله سبحانه ،· لأنه لا يقع فى ملكه إلا ما يريد لقولـه سبحانه : â وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ á.
· فمن هنا يتبين أن ما ظاهره التعارض من آيات الكتاب العزيز إنما هو متفق لا تعارض فيه وهذا بعد البحث والنظر ،· وما يراه الناس من تعارض ظاهرى سببه خطأ فى الفهم ،· وليس تعارضاً فى القرآن ،· يقول سبحانه : âلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ á،· وقد أفردت كتب كثيرة لإزالة شبه التناقض فى هذا الشأن.
2ـ فصاحة القرآن وبلاغته :
· فألفاظ القرآن الكريم سهلة على السمع وغير متنافرة ،· وتتلاءم مع الحس والذوق العربى الأصيل ،· وفى هذا يقول الوليد بن المغيرة ـ وهو مشرك ـ حينما سمع آيات من القرآن : " والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يُعلى عليه " . وقد جمعت عباراته بين البلاغة والمعانى السامية ،· ويظهر ذلك فى مجادلاته وحججه وأمثاله وتشبيهاته وإثباته للعقائد الصحيحة ،· ودحض أباطيل المعاندين وغير ذلك من معانيه وعجائبه التى لا تنتهى ،· وسهولة حفظه ،· وقوة تأثيره فى القلوب والعقول ،· ومطابقة آياته لمقتضى الحال ،· فأحياناً تكون الآيات قصيرة تلمس شغاف القلوب ،· وتهز النفوس ،· وأحياناً أخرى تمتاز الآيات بالطول والتفصيل فى بيان الأحكام ،· ففى مواضع الترغيب نجد الآيات القرآنية تفيض باللين والرفق والرحمة والبشارة مثل قوله تعالى: â وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌá ،· وفى مواضع الترهيب والتخويف نجد الآيات تهز النفوس وتزلزل الأفئدة مثل قوله تعالى : â يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌá ،· وأيضاً يقول سبحانـه : âخُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَá.
· فاشتمال القرآن على الأساليب المتنوعة ،· بتنوع المقامات والأحوال بأسلوب عربى أصيل ليدل دلالة واضحة على سمو بلاغة القرآن وفصاحة ألفاظه .
3ـ اشتمال آياته على الحقائق العلمية والسنن الكونية التى لايزال العلم يكشف كل يوم منها جديد :
· لقد أنزل الله القرآن ليكون هدى للناس وحجة على بعثة محمد r ،· ودستوراً للأمة يضع لهم مناهج صلاح حياتهم فى الدنيا وسعادتهم فى الآخرة،· وليس من أغراضه تقرير النظريات العلمية فى الكون ،· ولكنه فى بعض المقامات تشير الآيات إلى حقائق علمية وأسرار كونية كشف عنها العلم فى عصور لاحقة على نزول هذه الآيات ،· ولم يكن للناس بها علم قبل نزولها ،· مما يدل على أن القرآن كتاب أُنزل من عند الله العليم الخبير ،· كما يدل على صدق رسوله محمد r النبى الأمى والذى قـال الله فيـه : â وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ á،· وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله سبحانه: â سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ á.
· ومن هذه الآيات الدالة على إعجاز القرآن من هذا الوجه قوله تعالى: âأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ á ،· فقد أخبر القرآن أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ثم انفصلتا بأمر الله تعالى،· وقولـه سبحانـه : â وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ á ،· وقوله سبحانه : â وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ á،· وقوله : â مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ á ،· وإخباره عن أطوار خلق الإنسان فى قوله سبحانه : â وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَá.
· وقولـه سبحانـه : â وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا á ،· وقولـه : âوَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِá.
· وقوله سبحانه : â إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ á ،· فلقد قرر العلم الحديث أن كل شئ فى هذا الكون البديع يسير بدقة بالغة ،· كما هو الحال فى توزيع النجوم والكواكب وجاذبيتها بعضها لبعض ،· كما أن تركيب الهواء بقدر ،· وتركيب الماء بقدر ،· وخلق الزرع والثمر بقدر ،· وخلق الإنسان بقدر،· وسير الدورة الدموية فى جسد الإنسان بقدر .. وهكذا كل كبيرة وصغيرة فى هذا الكون يخضع لتقدير الله سبحانه .
· وقوله تعالى : â وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ á،· وقوله فى إشارته لاختلاف بصمات أصابع الناس : âأَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُá ،· وغير ذلك من الآيات التى اشتملت على حقائق علمية قبل أن يكتشفها العلم ،· فهذا برهان على إعجاز القرآن وأنه من عند رب العالمين .
· وقد بينّا أنه قد أفردت كتب كثيرة لبيان الإعجاز العلمى لهذا الكتاب العزيز.
4ـ إخبار القرآن بحوادث ماضية وأمور آتية فى المستقبل وحدثت كما أخبر:
· فلقد قصّ القرآن أخبار الأمم السابقة ،· والتى أبيدت آثارها ومعالمها،· كأخبار عاد ،· وثمود ،· وقوم لوط ،· وقوم فرعون ،· وغيرهم ،· واتفقت مع ما ذكره التاريخ والكتب السماوية التى لم يلحقها التحريف والتبديل ،· يقول تعالى: â تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا á.
· كما أن القرآن أخبر بأمور آتية فى المستقبل وحدثت كما أخبر القرآن الكريم،· ومن ذلك قوله تعالى: â وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ á.
· فقد وعد الله سبحانه المؤمنين فى غزوة بدر بالنصر ،· وتحقق هذا النصر من عند الله سبحانه ،· وأيضاً قوله تعالى : â لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ á ،· فقد وعد الله المؤمنين فى هذه الآية الكريمة بفتح مكة وهو الفتح المبين وتحقق وعد الله الذى لا يخلف ،· وأيضاً قوله تعالى: âالم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ á،· وهذا إخبار من القرآن بانتصار الروم على الفرس بعد هزيمتهم أولاً من الفرس ،· وحدث ما أخبر عنه القرآن وهو انتصار الروم على الفرس كما ذكر التاريخ .
حجيـة القرآن وثبوته ودلالته على الأحكام :
· لقد اتفق الفقهاء على أن القرآن الكريم هو أصل التشريع ومصدره الأول ،· فهو حجة الله البالغة التى يجب العمل بها ،· وتستمد مصادر التشريع الأخرى حجيتها من القرآن الكريم ،· ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : â وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا á ،· وقوله تعالى : â فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا á. فهذه النصوص وغيرها تدل على اعتبار السنّة مصدراً للتشريع .
· كما دل القرآن الكريم على اعتبار الإجماع مصدراً للتشريع ،· كما فى قوله تعالى : â وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا á،· كما أشار القرآن إلى حجية القياس فى قولـه تعالى : â فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ á.
· وأما ثبوت القرآن الكريم ،· فقد نقل إلينا كتابة ومشافهة بطريق التواتر الذى يفيد العلم واليقين جيلاً بعد جيل ،· وهذا يفيد القطع واليقين بصحة القرآن الكريم ،· وقد حفظه الله تعالى من الزيادة أو النقص أو التحريف فيه،· ووجدنا الملايين من المسلمين فى مختلف قارات العالم منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان يقرءونه جميعاً كما تلقوه عن رسول الله r لا يختلف فيه إنسان عن آخر ،· أو دولة عن أخرى ،· وقد وعد الله سبحانه بحفظه فى قوله عزّ وجلّ : â إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ á. ولذلك كانت نصوص القرآن الكريم كلها قطعية الثبوت.
· وأما دلالة نصوص القرآن على أحكامها ،· فقد تكون قطعية لعدم احتمال النص إلا معنى واحد ،· كما فى آيات المواريث ،· وآيات الحدود ،· ومثل قوله تعالى : â كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ á،· وقد تكون دلالة النص دلالة ظنية غير مقطوع بها،· لاحتمال النص أكثر من معنى ،· مثل قوله تعالى : âوَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ á،· فلفظ " قرء " فى لغة العرب مشترك بين معنيين هما : الطهر ،· والحيض،· فقد أوجب النص على المطلقات أن يتربصن ثلاثة قروء ،· فيحتمل أن يُراد ثلاث حيضات ،· ويحتمل أن يُراد ثلاثة أطهار ،· فالنص غير قطعى الدلالة على معنى واحد منهما ،· ولهذا اختلف الفقهاء فى عدة المطلقة ،· فبعضهم يرى أنها ثلاث حيضات،· وبعضهم يرى أنها ثلاثة أطهار.
· وكما فى قوله تعالى: â حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى á،· فالنص يوجب المحافظة على الصلوات الخمس بأن تؤدى فى أوقاتها ،· وأكد على الصلاة الوسطى ،· ولم تحدد الآية الكريمة المراد بالصلاة الوسطى،· فدلالة النص على الصلاة الوسطى غير مقطوع بها لاحتماله أكثر من معنى ،· ولهذا اختلف العلماء فى تحديد الصلاة الوسطى،· فقيل إنها صلاة الظهر،· لأنها وسط النهار ،· وقيل إنها صلاة العصر ،· لأن قبلها صلاتى نهار وبعدها صلاتى ليل ،· وقيل غير ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:44 am

المحاضرة الخامسة
السنّــــة
والسنّة لغة : السيرة والطريقة المعتادة ، حسنة كانت أو قبيحة ، ويقال : " سننت لكم سنة فاتبعوها ". وفى الحديث: « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ».
وقد تُطلق السنّة فى مقابلة البدعة ، فيُراد بها المشروع مطلقاً ، وسواء دل عليه كتاب أم أثر.
وفى اصطلاح الأصوليين : هى ما صدر عن النبى r من قول أو فعل أو تقرير مما ليس بقرآن فى مقام الهداية والتشريع مما ليس بمتلو ولا هو معجز.
وللسنة تقسيمات باعتبار ذاتها ، وباعتبار روايتها عن الرسول r ونبين ذلك فيما يلى :
1ـ تقسيم السنّة باعتبار ذاتها :
وتنقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع : سنة قولية ، وسنة عملية ، وسنة تقريرية .
فالسنة القولية : هى الأحاديث التى قالها الرسول r فى الأمور المختلفة مثل قوله r : « إن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» وقوله r : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب »
والسنة العملية : هى ما صدر عن النبى r من أفعال يقصد بها التشريع مثل : أفعال وضوئه ، وصلاته ، وحجه r ، وقطعه يد السارق اليمنى من الرسغ وغير ذلك .
والسنة التقريرية : هى ما أقره الرسول r مما صدر عن أصحابه من قول أو فعل بسكوته ، وعدم إنكاره ، أو إظهار رضاه عنه واستحسانه ، سواء أَصَدَر أمامه وفى حضرته ، أم صَدر فى غيبته وعلم به، لأن الرسول r لا يسكت على منكر ، لأنه إذا رآه ، أو علم به لنهى عنه ، لقوله تعالى : â يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ á.
وعلى هذا فإن إقراره صلى الله عليه وسلم لقول أو فعل يعد بياناً لمشروعيته .
· ومن أمثلة ذلك : إقراره وإظهاره استحسانه لما قاله معاذ بن جبل حينما بعثه قاضياً على اليمن وسأله : « بم تقض ؟ » قال : بكتاب الله ،· قال : «فإن لم تجد » قال : فبسنّة رسول الله ،· قال : « فإن لم تجد» قال: أجتهد رأيى ولا آلو ،· فضرب رسول الله r على صدر معاذ ،· وقال: «الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله » ،· وإقراره صلى الله عليه وسلم عدم إعادة الصلاة لمن تيمم لفقده الماء ،· ثم وجده بعد الصلاة .
· وعلى هذا فلا يدخل فى السنّة التشريعية إلا ما كان على وجه التشريع والإرشاد للأمة ،· والاقتداء به صلى الله عليه وسلم . وعليه ،· فلا يدخل فى السنّة ما صدر منه صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية،· كطريقة أكله ونومه ومشيّه ،· وما صدر منه بمقتضى خبرته وتجاربه الدنيوية من تجارة أو زراعة ونحوها.
· ومما يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد أشار على أهل المدينة بأن لا يؤبروا نخلهم ،· فلم يؤبروه عملاً بقول رسول الله r ،· فتلف الثمر ،· ولما علم صلى الله عليه وسلم بذلك قال لهم ـ كما رواه مسلم ـ « أنتم أعلم بأمور دنياكم » .
· ولما رأى فى إحدى غزواته أن ينزل الجند فى مكان معين ،· فقال له أحد صحابته : هذا المنزل أنزلكه الله ،· أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « بل هو الرأى والحرب والمكيدة » فقال له : ليس هذا بمنزل يا رسول الله ،· وأشار بإنزال الجند فى مكان آخر لأسباب حربية وفنية وضحها لرسول الله r .
· " والفرق بين أمور الدين وأمور الدنيا أن الأولى ترجع إلى تنظيم العلاقات والسلوك من الأحكام العملية والآداب العامة والخاصة ونحوها،· أما الثانية فإنها ترجع إلى قواعد العلم والبحث والتجربة من أمور الصناعات والزراعات ،· ونجاحها وتقدمها وما إلى ذلك ،· والجانب الدينى فيها لا يتعلق إلا بالبينة والإخلاص والإحسان فيها ،· وقصد الخير والمصلحة منها ابتغاء وجه الله تعالى ".
· ولا يعد سنّة تشريعية أيضاً ما كان من خصوصيات الرسول r ،· ودل الدليل الشرعى على ذلك كتزوجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع زوجات ،· والوصال فى الصوم ،· فكل هذا خاص به صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد ،· وأما ما صدر منه صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه رسول ومقصود به التشريع العام واقتداء المسلمين به ،· فهو مصدر تشريعى يجب على المسلمين اتباعه والعمل به .
حجيـة السنّة :
ولقد أجمع المسلمون على أن ما صدر عن النبى r من قول أو فعل أو تقرير ، وكان مقصوداً به التشريع والهداية ، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع ، أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين ، ويعد المصدر الثانى للتشريع بعد كتاب الله تعالى ، لقوله سبحانه : â وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا á ، وقوله عزّ وجل: â فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا á، وقوله تعالى: â مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ á.
· ومعلوم أن سنّة رسول الله r أحد نوعى الوحى ،· لأن الوحى إما أن يكون متلو ،· وهو القرآن الكريم ،· وإما أن يكون غير متلو ،· واجتهاده صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير هو وحى غير متلو لقوله تعالى : âوَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى á.
· وقد أجمع الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ فى حياة رسول الله r وبعد وفاته على وجوب العمل بالسنّة ،· فأبو بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ كان إذا لم يجد قرآناً فى الواقعة المعروضة عليه ،· ولم يحفظ سنّة عن رسول الله r فيها ،· خرج فسأل المسلمين هل فيكم من يحفظ فى هذه القضية سنّة عن رسول الله r ؟ وكذلك كان يفعل عمر وغيرهما ممن تصدى للفتيا والقضاء من الصحابة ،· ولم يعلم أن أحداً امتنع عن العمل بسنّة صحيحة ثبت صدورها من رسول الله r .
· كما أن القرآن فرض فرائض مجملة غير مفصلة فجاءت السنّة وبينتها ،· كما فى قوله تعالى : â وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ á ،· وقوله سبحانه : â فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ á ،· وقوله تعالى : â وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً á. وقد بيّن الرسول r هذا الإجمال بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم إعمالاً لقوله الله سبحانه : â وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ á ،· فلو لم تكن سنة النبى r حجة شرعية يجب العمل بها ما أمكن تطبيق أركان الإسلام تطبيقاً عملياً .
2ـ تقسم السنّة باعتبار روايتها عن الرسول r :
وقد قسم الحنفية السنّة المتصلة السند ـ وهى التى ذكر فيها جميع الرواة من أول السند إلى رسول الله r ـ باعتبار روايتها عن الرسول r إلى ثلاثة أنواع : سنة متواترة ، سنة مشهورة ، سنة آحاد .
أما جمهور الفقهاء فقد قسموا السنّة بهذا الاعتبار إلى : سنة متواترة ، وسنة آحاد ، وسنة الآحاد تشمل السنة المشهورة عند الجمهور.
ونعرف كل نوع من هذه الأنواع فيما يلى :
1ـ السنة المتواترة : هى التى رواها عن الرسول r فى عصور الصحابة والتابعين وتابعى التابعين جمع يمتنع اتفاقهم على الكذب عادة لكثرتهم وأمانتهم ، واختلاف بيئاتهم وطبائعهم ، مثل حديث : « من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار » ، ومنها السنن التى رويت فى كيفية صلاته ، وصومه ، وحجه صلى الله عليه وسلم .
· والعبرة بالتواتر أن يكون الرواة فى كل طبقة من طبقات الصحابة،· والتابعين ،· وتابعى التابعين عدداً لا يمكن تواطؤهم على الكذب فى العادة،· والمدار فى ذلك على حكم العقل ،· ولا يشترط بلوغ الرواة عدداً معيناً.
· والسنة المتواترة تفيد العلم اليقينى ،· لأنها قد ثبتت عن الرسول r بطريق القطع واليقين كالعلم الناشئ عن المعاينة والمشاهدة ،· ولذا وجب العمل بها باتفاق الفقهاء ،· فإن دل لفظها على معنى واحد كانت قطعية الدلالة،· وإن دل على أكثر من معنى كانت ظنية الدلالة .
2ـ السنة المشهورة : هى التى رواها عن الرسول r واحد أو اثنان ، أو جمع من الصحابة لا يبلغ حد التواتر ، ثم رواها عدد فى عصر التابعين وتابعى التابعين قد بلغ حد التواتر ، وذلك مثل حديث : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، فقد رواه عن الرسول r عمر بن الخطاب وحده ، ثم رواه عن عمر جمع من التابعين بلغ حد التواتر، ثم رواه عنهم جمع من تابعى التابعين بلغ حد التواتر ، أى أن السنّة المشهورة لم يبلغ الرواة فيها حد التواتر فى الطبقة الأولى فقط ، وتوفر جمع التواتر فى الطبقتين الثانية والثالثة ، وهما عصر التابعين وتابعى التابعين ، بخلاف السنّة المتواترة فقد بلغت حد التواتر فى الطبقات الثلاث .
· وحكم السنة المشهورة أنها لا تفيد اليقين بروايتها عن رسول الله r وإنما تفيد طمأنينة وظناً قريباً من اليقين بروايتها عن الرسول r.
· وهذا القسم أوجده الحنفية ،· وجعلوه فى مرتبة وسط بين الحديث المتواتر وحديث الآحاد ،· والسنة المشهورة فى حكم المتواترة من حيث جواز تخصيص عموم الكتاب وتقييد مطلقه.
· وهناك الحديث المستفيض وهو بمعنى الحديث المشهور عند بعض الأصوليين.
· ويرى بعض الحنفية أن الحديث المستفيض هو ما رواه ثلاثة فأكثر دون أن يصل إلى حد التواتر ،· والمختار عند الحنفية أن المستفيض هو ما يعده الناس شائعاً وقد صدر عن أصل ،· أى عن إمام يعتد به فى الرواية ،· أما المشهور فهو ما كان آحاداً فى الأصل ثم حصل له التواتر فى عهد التابعين وتابعى التابعين.
· ويلاحظ أن كلا من السنة المشهورة ،· والسنة المستفيضة تعد نوعاً من سنن الآحاد عند جمهور العلماء .
3ـ سنّـة الآحـاد : هى التى رواها عن الرسول r عدد لم يبلغ حد التواتر فى العصور الثلاثة ، عصر الصحابة ، والتابعين ، وتابعى التابعين ، ولايزال خبر الواحد حتى وإن بلغ حد التواتر بعد ذلك فى العصور التالية ، لأن السنّة بعد عصر تابعى التابعين صارت مستفيضة ، ومعروفة بسبب اتساع حركة تدوينها . ومثال سنّة الآحاد حديث أبو هريرة: « لا تُصَروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر». ومن هذا النوع أكثر الأحاديث التى جمعت فى كتب السنة .
· وسنّة الآحاد تفيد الظن الراجح بنسبتها إلى الرسول r ،· لأن رواتها ـ مع أنهم آحاد ـ تحققت فيهم شروط ترجح صدقهم فى روايتهم ،· ولا تفيد العلم القطعى ،· كالسنة المتواترة ،· ولا تفيد العلم القريب من القطعى كالسنّة المشهورة.
· وأما من جهة الدلالة : فكل سنّة من هذه الأنواع الثلاثة قد تكون قطعية الدلالة إذا كان نصها لا يحتمل إلا معنى واحد ،· وقد تكون ظنية الدلالة إذا كان نصها يدل على أكثر من معنى ،· فقوله صلى الله عليه وسلم: «أطعموا الجدة السدس » ظنى فى ثبوته لأنه حديث آحاد قطعى فى دلالته لأنه دل على أن فرض الجدة السدس ،· وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » ظنى فى ثبوته ،· لأنه حديث آحاد،· وظنى فى دلالته لاحتمال توجه النفى إلى صحة الصلاة كما قال جمهور العلماء والإمام الشافعى ،· أو إلى كمال الصلاة كما قال الحنيفية.
· وكل سنة من هذه الأنواع الثلاثة المتواترة والمشهورة وسنة الآحاد حجة يجب العمل بها واتباعها .
· أما المتواترة فلأنها مقطوع بصدورها عن رسول الله r ،· وأما المشهورة وسنة الآحاد فإن كل منهما قد توفر فيه الظن الراجح بما ثبت فى الرواة من العدالة والضبط ،· والظن الراجح يكفى فى وجوب العمل فى الأحكام العملية حتى وإن كانت ظنية الورود عن رسول الله r ،· لأن أول من تلقى عنه ليس جمعاً متواتراً .
· ومع ذلك فقد شذّ بعض العلماء فأنكروا الاحتجاج بسنة الآحاد ،· ولقد تصدى الإمام الشافعى لهؤلاء ،· وأثبت بالبرهان والدليل أن سنة الآحاد حجة شرعية يجب العمل بها ،· ومن هذه الأدلة ما يلى:
1ـ قــول الله تعالــى : â فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَá.
· والطائفة تصدق على الواحد والاثنين ،· لأنها جزء من الفرقة التى تكون ثلاثة فأكثر ،· فدلت الآية على قبول خبر الواحد .
2ـ قوله تعالى : â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا á، فإنه يدل على وجوب التبين فى خبر الفاسق ، وعدم وجوبه فى خبر العدل .
3ـ إنه قد رُوىَّ أن النبى r كان يرسل آحاد صحابته إلى القبائل، والجهات المتعددة لبيان الأحكام الشرعية ، كمعاذ بن جبل وعلىّ وغيرهما، فلو كان العمل بخبر الواحد غير واجب لما بعثهم رسول الله r ، لأنه لا يكون لذلك فائدة .
· وقد قام هؤلاء المبعوثون بتعليم الناس أمور دينهم فاستجاب الناس لهم ،· ولم يعترضوا على كونهم آحاداً .
4ـ إن خبر الواحد إذا اشتمل على حكم شرعى يفيد الظن الراجح بأن هذا الحكم هو حكم الله تعالى ، والعمل بما يفيد الظن الراجح واجب باتفاق العلماء.
5ـ إجماع الصحابة على وجوب العمل بخبر الواحد فى وقائع كثيرة ، ومن هذه الوقائع ما رُوىَّ أن الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ قد أراقوا ما عندهم من خمور عندما جاءهم مبعوث من عند النبى r يخبرهم بتحريمها، فلو كان العمل بخبر الواحد غير ملزم لما أراقوا هذه الخمور ، وكان الإمام علىّ يعمل بخبر الواحد بعد أن يحلف الراوى على صدقه .
· فهذه الأدلة وغيرها تدل على وجوب العمل بخبر الواحد متى نقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه .

منزلة السنة من القرآن الكريم من حيث دلالتها على الأحكام :
· لقد جاءت السنّة لتبين لنا القرآن الكريم ،· لقوله تعالى : â وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ á.
· وعلى هذا فإن السنّة قد تأتى مبينة لمجمل القرآن الكريم ،· أو موضحة لمشكله ،· أو مخصصة لعامه ،· أو مقيدة لمطلقه ،· وقد تأتى مؤكدة للقرآن الكريم ،· وقد تدل على حكم سكت عنه القرآن ،· وقد تكون ناسخة لحكم ثبت بالقرآن .
ونوضح منزلة السنة من القرآن الكريم من حيث الأحكام التى تدل عليها فيما يلى :
أولاً : تبيين مجمله ، وتوضيح مشكله ، وتخصيص عامه ، وتقييد مطلقه:
1ـ ومثال السنة المبينة للقرآن : أن القرآن أمر بالصلاة والزكاة فى قوله تعالى : â وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ á ، وأمر بالصوم فى قوله تعالى : â كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ á ، وأوجب الحج فى قوله تعالى : â وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً á.
· والصلاة والزكاة والصوم والحج جاءت فى الآيات مجملة ،· وجاءت السنّة ،· وبينت هذا الإجمال ببيان كيفية الصلاة ومواقيتها وأعداد ركعاتها،· والقراءة فيها .
· وبالنسبة للزكاة : بينت السنة الأموال التى تجب فيها الزكاة ،· ومقاديرها. كما بينت كيفية أداء فريضة الحج وأحكام الصيام ،· وفى قوله تعالى : âوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا á ،· فالسنة هى التى بينت صحيح البيع وفاسده وأنواع الربا المحرم .
2ـ ومثال السنة الموضحة لمشكل القرآن ، تفسيره صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : â وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ á ، بأن المراد بالخيط الأبيض والأسود ، هو بياض النهار وسواد الليل .
3ـ ومثال تخصيص العام ، قوله صلى الله عليه وسلم : « ليس لقاتل ميراث » فهذا مخصص لعموم قوله تعالى : â يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ á ، فالآية تدل على أن كل ولد يعد وارثاً ، وقد خصصت السنة هذا العموم بألا يكون الوارث قاتلاً ، ومثله قوله تعالى : âحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ á ، فإن التحريم يشمل ميتة البر والبحر ، وقد خصصت السنة هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم عن البحر : « هو الطهور ماؤه الحِل ميتته » وبهذا تكون ميتة البحر حلالاً ، وليس حراماً .
4ـ ومثال تقييد المطلق ، قطع الرسول r يد السارق اليمنى من الرسغ، فإنه مقيد لمطلق كلمة ] أيديهما [ فى قوله تعالى : â وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا á . وحديث الرسول r فى الوصية : «الثلث والثلث كثير» مقيد لمطلق الوصية فى قوله تعالى : â مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ 3 á ، يعدم الزيادة على ثلث التركة .
ثانياً : وقد تأتى السنّة بحكم غير موجود فى القرآن بعينه ، لكنه دلّ عليه إجمالاً ، ومن ذلك تحريم التزين بالذهب ولبس الحرير على ذكور المسلمين ، والأحاديث الدالة على ميراث الجدة ، ووجوب صدقة الفطر ، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها .. ونحو ذلك ، إلا أن القرآن قد دل على هذه الأحكام على سبيل الإجمال فى قوله تعالى : â مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ á ، وقوله تعالى : â وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا á.
ثالثاً : وقد تأتى السنة مؤكدة للقرآن الكريم ، ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع : « كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم » ، فإنه موافق لقوله تعالى : â يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ á. وقوله صلى الله عليه وسلم : « استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عندكم عوانٍ»، فإنه مؤكد لقوله تعالى : â وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ á.
رابعاً : وقد تكون السنة ناسخة لحكم ثبت بالقرآن مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث» فإنه يكون نسخاً لوجوب الوصية فى قوله تعالى : â كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ á.
· ومن أشهر كتب السنّة والتى تلقتها الأمة بالقبول : الصحاح الستة وهى: صحيح البخارى،· وصحيح مسلم ،· وسنن أبى داود ،· وسنن الترمذى،· وسنن النسائى ،· وسنن ابن ماجة ،· ويضاف إليها موطأ الإمام مالك ،· ومسند الإمام أحمد بن حنبل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:44 am

الأدلة التي اتفق جمهور العلماء على الاستدلال بها
والأدلة التي اتفق جمهور العلماء على الاستدلال بها هي: الإجماع والقياس، ونتناول كلا منهما في مبحثين :
المبحث الأول : الإجمـاع .
المبحث الثاني : القياس .
الإجمـــاع
· والإجماع في اللغة: العزم ،· ومنه قوله تعالى : (( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)) ،· أي اعزموا عليه .
· والإجماع في اصطلاح الأصوليين هو: اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول r على حكم من الأحكام الشرعية في واقعة معينة.
· وسمي اتفاقهم إجماعاً : لأن اتفاقهم على حكم هو عزم وتصميم عليه . فإذا حدثت واقعة ،· ولم يأت فيها نص من القرآن أو السنة ،· وعرضت على جميع المجتهدين المسلمين ،· واتفقوا على حكم فيها سمي هذا الاتفاق إجماعاً،· ويعد هذا الاتفاق دليلاً على أن ما توصل إليه المجتهدون هو الحكم الشرعي في الواقعة المعروضة .
وبناء على تعريف الأصوليين للإجماع ، فإنه لا يتحقق إلا إذا توفرت الأمور الآتية:
أن يوجد في عصر وقوع الحادثة عدد من المجتهدين ، فلو خلا وقت من وجود عدد من المجتهدين ، كما في حالة عدم وجود مجتهد ، أو وجد مجتهد واحد فقط فإن الإجماع لا ينعقد شرعاً.
أن يتفق المجتهدون ، فلا عبرة باتفاق غير المجتهدين كالعوام، والذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد الفقهى ، لعدم قدرتهم على استنباط الأحكام الفقهية من أدلتها التفصيلية .
أن يحصل الاتفاق من جميع المجتهدين من أمة محمد r على اختلاف بلادهم وأجناسهم وطوائفهم ، فلو اتفق على الحكم الشرعي في الواقعة مجتهدو العراق فقط ، أو مجتهدو الحجاز فقط ، أو مجتهدو مصر فقط ، أو مجتهدو أهل المدينة فقط ، لا ينعقد الإجماع بهذا الاتفاق الخاص ، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بالاتفاق العام من جميع المجتهدين المسلمين ، وكذا لو اتفق أكثرهم لا ينعقد الإجماع بهذا الاتفاق ، مهما قل عدد المخالفين ، لأن اتفاق أكثرهم لا يكون حجة شرعية ملزمة .
أن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين في العصر الذي وقعت فيه المسألة الفقهية محل البحث والاجتهاد ، فلا يشترط اتفاقهم في جميع العصور اللاحقة ، وإلا ما تحقق الإجماع .
أن يكون اتفاق المجتهدين بعد وفاة رسول الله r ، فلو كان الاتفاق من جميع الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي لم يكن إجماعاً ، لأن مصدر الأحكام الشرعية في حياته صلى الله عليه وسلم هو الوحي قرآناً أم سنّة ، فإذا أقر الرسول ما اتفق عليه الصحابة كان هذا الإقرار سنّة ، فلا يكون هناك محل للإجماع .
أن يكون الاتفاق بين المجتهدين عن طريق إبداء كل منهم رأيه صريحاً في الواقعة ، وسواء كان إبداء الرأي في صورة فتوى عن مسألة عرضت عليه ، أو قضاء قضى به ، وسواء أبدى كل واحد منهم رأيه منفرداً ، وبعد جمع الآراء تبين اتفاقها ، أم أبدوا آراءهم مجتمعين بعد عرض المسألة عليهم جميعاً ، واتفقوا على حكم واحد فيها .
أن يكون محل الاتفاق حكماً شرعياً ، فلا يعد الاتفاق الحاصل من العلماء في المجالات العلمية الأخرى ، كالنحو واللغة والمنطق إجماعاً بالمعنى الذي يقصده علماء أصول الفقه .
أنـواع الإجمـاع :
وللإجماع من حيث كيفية حصوله نوعان :
§ النوع الأول: الإجماع الصريح : وهو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على حكم شرعي في حادثة معينة ،§ بإبداء كل منهم رأيه صراحة بفتوى أو قضاء.
§ والنوع الثاني: الإجماع السكوتى : وهو أن يبدى بعض المجتهدين في عصر معين رأيهم في الواقعة بفتوى أو قضاء ،§ وينتشر ذلك بين المجتهدين ،§ ولم يصدر عن باقي المجتهدين رأي فيها بالموافقة أو المخالفة.
حجيـة الإجمــاع :
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجماع الصريح حجة قطعية يجب العمل بها. ويأتي الإجماع في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة الصحيحة .
واستدل الجمهور على حجية الإجماع بالأدلة الآتية :
قوله تعالى : ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)).
ففي الآية الكريمة دليل على حجية الإجماع، لأنها حرمت اتباع غير سبيل المؤمنين ، لأن الله سبحانه قد توعد من يتبع غير سبيل المؤمنين بدخول جهنم وسوء المصير ، وسبيل المؤمنين هو ما اتفق عليه المجتهدون من أمة محمد r ، فيكون اتباعه واجباً.
قول الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)).
والأمر معناه الشأن ، وقد قيل إن المراد بأولى الأمر في الآية أنهم الأمراء والحكّام والولاة، وقيل إن المراد بهم أولوا الفقه والعلم والاجتهاد.
فإذا أجمع أولوا الأمر في الفقه والعلم ، وهم المجتهدون على حكم وجب اتباعه وتنفيذه بنص الآية ، ولهذا قال تعالى : ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)).
ما روىَّ عن ابن عمر أن رسول الله r قال : « لن تجتمع أمتى على الضلالة ».
والحديث بعمومه ينفي اجتماع الأمة على ضلالة، والخطأ ضلالة ، فلا يحصل الإجماع عليه ، فيكون ما حصل الإجماع عليه هو الحق بعينه .
ما روىَّ عن ثوبان أن رسول الله r قال : « لايزال طائفة من أمتى على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عزّ وجلّ».
إن اتفاق جميع المجتهدين على رأي واحد مع تفاوت عقولهم ، ومراتبهم العلمية دليل على أن هذا الرأي هو الحق والصواب ، كما أن اتفاقهم على رأي دليل على أنه لا يوجد دليل آخر يعارضه ، إذ لو كان موجوداً لأدركه بعضهم وحصل الخلاف بينهم. وقد قال الإمام الشافعى: "الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنّة ولا قياس ، وإنما تكون الغفلة في الفرقة ".
أدلة المنكرين لحجية الإجماع :
يرى الشيعة والخوارج أن الإجماع لا يعتبر دليلاً شرعياً واستدلوا بالأدلة الآتية :
قول الله تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {.
فالآية الكريمة قد أمرت برد الشيئ المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولم ترده إلى الإجماع ، فدل هذا على أن الإجماع ليس بحجة شرعية.
ورد الجمهور على الاستدلال بأن الآية أمرت برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإجماع من الأمور المتنازع فيها فيجب رده إليهما ، وبالرد إلى الكتاب والسنة ثبت أن الإجماع حجة شرعية لأن النصوص فيهما دلت على حجيته كما قدمنا .
بما روى عن معاذ بن جبل أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما بعثه إلى اليمن قال لـه : " كيف تقضى ؟ " قال : أقضى بكتاب الله ، قال: " فإن لم تجد في كتاب الله ؟ " قال : فبسنة رسول الله ، قال : " فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ " قال : أجتهد رأيى ولا آلو ـ أي لا أقصر ـ فضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدره (أي صدر معاذ) وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ".
ووجه استدلالهم بالحديث أنه لو كان الإجماع حجة شرعية لذكره معاذ في الحديث ، لكنه لم يذكره ، فدل ذلك على أنه ليس بحجة .
ورد الجمهور على ذلك بأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر معاذاً على أدلة التشريع التي ذكرها في الحديث وهى : الكتاب والسنة والاجتهاد، ولم يذكر الإجماع ، لأن الإجماع لم يكن حجة شرعية في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم .
إن الإجماع يصعب تحققه لأن العلماء المجتهدين متفرقون في البلاد المختلفة والمتباعدة في الشرق والغرب ، ولا يمكن الوقوف على اتفاقهم في مسألة معينة .
وأجيب عن هذا بأنه إذا كان يصعب في الزمان الماضي معرفة آراء العلماء المجتهدين بسبب قلة وسائل الاتصال ، إلا أنه قد تيسر في زمننا هذا معرفة آرائهم واتفاقهم نظراً لتقدم وسائل الاتصال المتعددة ، ويمكن تحقق ذلك في مكان وزمان واحد في صورة مؤتمر علمى ونحوه.


حجية الإجماع السكوتي:
أما الإجماع السكوتى فقد ذكر الإمام الشوكانى عدة آراء للعلماء في حجيته نذكر منها ما يلى:
الرأي الأول: إنه ليس بإجماع ولا حجة ، لأنه لم يحصل فيه اتفاق جميع المجتهدين على الحكم ، لأن السكوت قد يكون لأمر آخر كالخوف من وقوع ضرر به لو أبدى رأيه ، أو لعدم الاجتهاد في المسألة المعروضة.
الرأي الثاني: إنه إجماع وحجة ، لأن سكوتهم يدل على الموافقة ، إذ يبعد سكوتهم عادة إذا كانوا مخالفين للرأي الذي توصل إليه المجتهدون.
الرأي الثالث: إن كان الإجماع السكوتى في عصر الصحابة كان إجماعاً ، وإلا فلا ، لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه ، لأنهم لا يسكتون على منكر.
الرأي الرابع: إنه يكون إجماعاً إذا دلت قرائن الأحوال على رضا الساكتين بالحكم.
ويبدو لى رجحان الرأي الأول الذي يقضى بأن الإجماع السكوتى ليس بإجماع ولا حجة لقوة ما استند إليه ، ولأنه لا يمكن حصول الاطمئنان النفسي على أن السكوت إنما هو حسن رضا وموافقة بالرأي ، لأنه " لا ينسب لساكت قول " ، كما قال الإمام الشافعي ، وكيف يتحملون تبعة رأي لم يصرحوا به ، وقد يكون السكوت مهابة للقائل أو لعدم الوصول إلى رأي قاطع في المسألة .
وأما دلالة الإجماع على الحكم ، فإنه يكون قطعي الدلالة في حالة الإجماع الصريح ، ولا يجوز الحكم في واقعة بخلافه ، ولا محل للاجتهاد في واقعة بعد الإجماع الصريح على الحكم الشرعي .
أما الإجماع السكوتى فقد ذهب بعضهم إلى أنه حجة قطعية كالصريح ، بينما رأي البعض الآخر أنه ظني الدلالة على الحكم ، فيفيد حكمـاً مظنوناً ظناً راجحاً ، ولا يخرج الواقعة عن أن تكون محلاً للاجتهاد.
مستند الإجماع :
إن اتفاق المجتهدين لابد أن يكون له مستند شرعي ، أي دليل شرعي يستند عليه المجتهدون في الحكم الشرعي الذي اتفقوا عليه ، كالقرآن أو السنّة أو القياس أو المصلحة المرسلة ، أو تطبيق قواعد الشريعة ومبادئها العامة ونحو ذلك .
ومن أمثلة الإجماع المستند إلى القرآن : الإجماع على تحريم الزواج بالجدة استناداً إلى قوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) أي أصولكم ، فإن الجدة أم .
ومن الإجماع المستند إلى السنة : إجماعهم على توريث الجدة السدس ، فإنه مستند إلى ما روىَّ أنه صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس .
ومن صور الإجماع المبنى على القياس : إجماع الصحابة على خلافة أبى بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ قياساً على إمامته في الصلاة، إذ قالوا : " رضيه رسول الله r لديننا أفلا نرضاه لدنيانا " ، وإجماعهم على أن حد شرب الخمر ثمانون جلدة ، فإن إجماعهم كان قياساً على حد القذف ، وقد قال الإمام علىّ ـ رضي الله عنه ـ في شارب الخمر : "إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفترى ثمانون".
ومن صور الإجماع المبنى على المصلحة : إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان أبو بكر متردداً في ذلك ، لأن الرسول r لم يفعلـه ، فأقنعه عمر بجمعه ، لأن فيه خيراً ومصلحة للإسلام.
القيـــاس
تعريفــه :
والقياس لغة هو التقدير : يقال : قاس الشيء يقيسه وقياساً ، إذا قدره على مثاله ، والمقياس المقدار ، وهو ما يُقاس به.
ويُقال قاس الثوب بالذراع ، أي قدره به ، وقست الأرض بالقصبة إذا قدرتها ، وكثيراً ما يستعمل لفظ القياس في المساواة ، فيقال : فلان لا يقاس بفلان ، أي لا يساويه.
وفي الاصطلاح :
عرفه أبو الحسن البصرى بأنه : " تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم عند المجتهد".
وعرف أيضاً بأنه : " إلحاق أمر لا نص فيه بأمر فيه نص في الحكم الشرعي الثابت للمنصوص عليه لاشتراكهما في علة هذا الحكم".
وموضوع القياس : طلب أحكام الفرع التي لم يرد فيها نص من الأصول المنصوص عليها لوجود العلة الجامعة بين الأصل والفرع.
فإذا وجدت واقعة ليس في حكمها نص خاص من القرآن أو السنّة، ولم ينعقد في شأنها إجماع ، فتلحق بواقعة أخرى مشابهة لها في علة الحكم، وقد ورد فيها نص ، فيثبت حكم الواقعة المنصوص عليها للواقعة غير المنصوص عليها لاشتراكهما في علة الحكم .
ومن الأمثلة على ذلك ما يلى :
قياس الفقهاء كل مسكر من غير ماء العنب كالنبيذ على الخمر لوجود العلة وهى الإسكار الذي يفسد العقل، وحفظه من ضروريات الشريعة. والخمر اسم لما يتخذ من عصير العنب غير المطبوخ إذا ترك حتى غلا واشتد ، وقد حرم الله تعالى الخمر صراحة بقوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) ، كما وجب الحد على شاربها ، ولم ينص على نبيذ غير العنب من البلح أو الشعير ونحوهما ، فيكون حراماً بمقتضى القياس.
كما ورد النص بحرمان القاتل من ميراث المقتول لحديث «ليس لقاتل ميراث » والعلة في التحريم استعجال القاتل الميراث قبل أوانه، فيُعامل بنقيض مقصوده ، ويحرم منه ، فقاس الفقهاء قتل الموصى له الموصى على قتل الوارث مورثه لاشتراكهما في علة الحكم وهى استعجال المال قبل أوانه، فحرم قاتل الموصى من استحقاق المال الموصى به .



أركــان القياس :
ويشتمل القياس على أربعة أركان هى :
الأصل: وهو الحادثة المنصوص عليها ، ويسمي المقيس عليه .
الفرع: وهو الحادثة غير المنصوص عليها ، ويُراد تسويته بالأصل في حكمه ، ويُسمي المقيس .
حكم الأصل: وهو حكم الحادثة التي ورد فيها نص ، ويُراد أن يكون حكماً للفرع.
العلـة : وهى الوصف الجامع بين الأصل والفرع ، ويسوى الفرع بالأصل في الحكم لوجود هذا الوصف في الفرع .
وأما حكم الفرع فهو ثمرة القياس ، وليس ركناً فيه.
- فالأصل في المثال الأول هو الخمر ،- والفرع هو نبيذ غير العنب من البلح أو الشعير ،- وحكم الأصل هو التحريم ،- والعلة هى الإسكار .
- والأصل في المثال الثاني هو فعل الوارث القاتل ،- والفرع هو فعل الموصى له القاتل ،- والحكم هو الحرمان من المال الذي كان ثابتاً بحكم الشرع ،- والعلة الجامعة بين الأصل والفرع هى استعجال أخذ الحق قبل أوانه.
حجيـة القيـاس :
وقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن القياس أصل من أصول الشريعة، ومصدر للأحكام الشرعية.
واستدل الجمهور على حجية القياس بالكتاب والسنّة والإجماع والعقل:
أما الكتاب :
فقول الله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)).
ففي هذه الآية الكريمة أمر من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولى الأمر ، وأمر بالرد إلى القرآن والسنّة إذا حدث تنازع في شيء .
والقياس يعد من باب الرد إلى الكتاب والسنّة ، لأنه إلحاق أمر غير منصوص عليه بأمر منصوص على حكمه في القرآن والسنّة .
وأيضاً قول الله تعالى : ((فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ))، أي اتعظوا، وتدبروا ، وانظروا فيما نزل بيهود بنى النضير من إخراجهم من بيوتهم ، وإجلائهم عن المدينة ، بسبب نقضهم العهود التي أبرموها مع رسول الله r ، وأولوا الأبصار هم أهل العقول والبصائر .
وقال الواحدى : " ومعنى الاعتبار : "النظر في الأمور ليعرف بها شيئ آخر من جنسها " ، أي أن من يفعل مثل فعلهم يجرى عليه حكمهم، وهذا هو المراد بالقياس .
وأيضاً استعمل القرآن الكريم القياس في الردّ على منكرى البعث بغرض إقناعهم ، قال تعالى : (( قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)).
فالقرآن قاس إعادة المخلوقات وبعثها بعد الفناء على النشأة الأولى ، وبيَّن أن الذي قدر على النشأة الأولى يكون قادراً على الإعادة من جديد وهى أهون من بدء الخلق ، ولذلك يقـول سبحانه : ((أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ)).
ومن السنّـة :
· ما روى عن ابن عباس أن امرأة قالت يا رسول الله : إن أمى ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال: « أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها» قالت: نعم،· قال: « فصومى عن أمك».
روى أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى r فقالت : إن أمى نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : « نعم ، حجى عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين ، أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ».
ففي الحديثين دليل على حجية القياس ، لأن الرسول r قاس دين الله في الصوم والحج على دين العباد في وجوب القضاء .
· كما روى أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «كيف تقضى إذ عرض لك القضاء ؟ » ،· قال : أقضى بكتاب الله ،· قال : «فإن لم تجد في كتاب الله ؟ » قال : فبسنّة رسول الله r ،· قال : « فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ » ،· قال أجتهد رأيى ولا آلو،· فضرب رسول الله r صدره (أي صدر معاذ) وقال : « الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » .
فهذا الحديث يدل على وجوب العمل بالقياس ، لأنه صلى الله عليه وسلم أقر معاذاً على العمل بالرأي عند عدم وجود النص من القرآن أو السنّة ، والقياس نوع من الرأي .
روى عن أبى هريرة قال : جاء رجل من بنى فزارة إلى رسول الله r ، فقال ولدت امرأتى غلاماً أسود ، وهو حينئذ يُعرّض بأن ينفيه ، فقال له النبى r : « هل لك من إبل ؟ » قال : نعم ، قال : « فما ألوانها؟» قال : حُمر ، قال : « هل فيها من أورق ؟ » قال إن فيها لوَرِقاً ، قال : « فأنّى أتاها ذلك؟» قال : عسى أن يكون نزعة عرق ، قال : « فهذا عسى أن يكون نزعة عرق » ، ولم يرخص له في الانتفاء.

وأما الإجماع :
فإن كبار الصحابة قد احتجوا بالقياس ، وعملوا به في وقائع عديدة منها: أنهم قاسوا تولية أمر الخلافة على إمامته في الصلاة ، وقالوا : "لقد رضيه رسول الله r لديننا ، أفلا نرضاه لدنيانا " .
كما قاسوا منع الزكاة على ترك الصلاة ، وقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في هذا الشأن : " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " ، ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك ، فكان إجماعاً منهم على العمل بالقياس.
وحينما أسند عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ولاية القضاء إلى أبى موسى الأشعرى كتب إليه رسالة لتكون دستوراً للقضاء ، ومما ورد فيها: " الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنّة رسول الله r، ثم اعرف الأشباه والأمثال ، وقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى ، وأشبهها بالحق ".
وقاس علىّ حد شرب الخمر على حد القذف بقوله : " إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفترى ثمانون " .
ومن الأدلة العقليـة على حجية القياس :
أن نصوص القرآن والسنّة محدودة متناهية ، لانتهاء الوحي بوفاة رسول الله r ، وحوادث الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية ، ولا سبيل إلى تنظيم الحوادث غير المتناهية وفقاً لأحكام الشرع إلا بمعرفة علل الأحكام وإعمال القياس ، وبذلك تفي الشريعة بحاجات الناس المتجددة والمتطورة وتحقق مصالحهم في كل زمان ومكان عن طريق القياس .
أدلة المنكرين لحجية القياس والرد عليها :
استدل المنكرون لحجية القياس وهم النظام وبعض المعتزلة وداود الظاهرى بالأدلة الآتية :
أولاً : من القرآن الكريم :
· قول الله تعالى : } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً { . فإكمال الدين يفيد أن النصوص وافية بكل ما يحتاج إليه الناس إما بالنصوص أو المبادئ العامة في الشريعة. وقوله تعالى: } مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ { ،· وقوله تعالى أيضاً : } وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ { ،· أي بياناً لكل أمور الشرع . وبناءً عليه فلا يكون للقياس دور أو حاجة إليه مادامت النصوص قد بينت كل أمر من أمور الناس.
ونوقش الاستدلال بقوله تعالى : } مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ { بأن المراد بالكتاب في الآية هو اللوح المحفوظ، ويشير إلى هذا قولـه تعالى : }بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ { .
كما نوقش الاستدلال بقوله تعالى : } وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ{ " بأن الكتاب مبين لكل شيء إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة وإما بواسطة الاستنباط منه ، فالعمل بالقياس عمل بما بينه الكتاب لا عمل بما هو خارج عنه ، على أنك إذا عرفت الكتاب دل على وجوب قبول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقول الرسول دل على حجية القياس ، علمت أن كتاب الله دال على الأحكام الثابتة بالقياس ، فالقول بالقياس حق لا مرية فيه".
· قولـه تعالى : } وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ { ،· والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى .
ونوقش الاستدلال بالآية الكريمة بأن الحكم بالقياس حكم بما أنزل الله تعالى ، لأن الحكم بما استنبط مما أنزل الله وهو القياس يعد حكماً بما أنزل الله .
· قولـه تعالى: } فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ{ ،· فالآية أمرت عند حدوث التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة والحكم بالقياس لا يعد رداً إليهما .
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الآية لا تمنع القياس لأن العمل بالقياس عمل بما استنبط من الكتاب والسنة ، لأن الحكم بالقياس هو عمل بالمستنبط من القرآن والسنة ، فلا يخرج العمل بالقياس عن مدلول هذه الآية الكريمة .
· قال تعالى : } وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً {. يرى المنكرون للقياس أن القياس نوع من الظنون لأن مبناه على العلة وهى مظنونة ،· والظن منهى عن اتباعه بمقتضى الآية فلا يكون لـه فائدة في إثبات الأحكام.
وأجيب عن هذا بأن الظن المنهى عن اتباعه في القرآن هو الظن في أحكام العقائد لأنها تتطلب الجزم واليقين ، أما الأحكام العملية الشرعية فيكفي فيها الظن الراجح باتفاق العلماء ، بدليل أن الناس مكلفون بالعمل بأخبار الآحاد وهى لا تفيد إلا الظن.
ثانياً : من السنــة :
ما روى عن أبى هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " تعمل هذه الأمة بُرهة بكتاب الله ، ثم تعمل بُرهة بسنة رسول الله ، ثم تعمل بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا".
وجه الدلالة ـ عندهم ـ من الحديث : أن الأمة تعمل بالكتاب مرة إن وجد النص ، وتعمل مرة بالسنة إذا لم يوجد الحكم في الكتاب ، وتعمل بالقياس مرة أخرى عند عدم النص في الكتاب أو السنة ، فإذا عملوا بالقياس فقد ضلوا وأضلوا .
ونوقش الاستدلال بهذا الحديث بما يلى :
إن هذا الحديث ضعيف لأن فيه عثمان بن عبد الرحمن الزهرى ، وقد اتفق العلماء على ضعفه.
أنه يجب حمل هذا الحديث على الرأي الباطل والقياس الفاسد لكى يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي تدل على مشروعية القياس واعتباره مصدراً من مصادر التشريع.
ثالثاً : واستدلوا بالآثار عن الصحابة على عدم جواز الاحتجاج بالقياس :
ومنها ما روى عن أبى بكر ـ رضي الله عنه ـ حينما سُئل عن الكلالة فقال : " أي أرض تقلنى وأي سماء تظلنى إذا قلت في كتاب الله برأيى " .
وقول عمر ـ رضي الله عنه ـ : " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحصوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ".
وقول على ـ رضي الله عنه ـ : " لو كان الدين يؤخذ بالقياس لكان باطن الحق أولى بالمسح من ظاهره".
وقول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : " إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرّم الله وحرمتم كثيراً مما أحلّ الله " .
وقال مسروق من التابعين : " لا أقيس شيئاً بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها " . فهذه الآثار تفيد منع العمل بالقياس .
ونوقش استدلالهم بهذه الآثار بأن الصحابة قد اتفقوا على العمل بالقياس كما قدمنا عند بيان الأدلة على حجية القياس ، وإذا كان بعض الصحابة قد ذمّ الرأي وحذر منه فالمقصود به الرأي الذي يخالف الكتاب والسنة ، فالرأي المخالف للكتاب والسنة لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء.
رابعاً : كما استدل منكرو القياس بالعقل وقالوا إن القياس يؤدى إلى الاختلاف والتنازع بين الأمة الإسلامية ، والتنازع منهى عنه بقوله تعالى : }وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ {.
وأجيب عن هذا الدليل بأن فقهاء الصحابة كانوا يجتهدون في بيان الحكم الذي لا نص فيه من الكتاب أو السنة ، ثم قد يختلفون فيما يتوصلون إليه من أحكام ، فلا يعيب بعضهم على بعض . فقد روى الطبراني أن عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أثناء خلافته لقى رجلاً كانت لـه قضية فسأل عنها فقال الرجل : قضى فيها علىّ بكذا ، فقال عمر : لو كنت أنا لقضيت فيها بكذا، فقال الرجل لـه : فما يمنعك والأمر إليك ؟ فأجابه عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لفعلت ولكنى أردك إلى رأيى والرأي مشترك ولست أدرى أي الرأيين أحق عند الله تعالى. ولا عجب، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد علمهم الاجتهاد وحضهم عليه إذا لم يجدوا النص في القرآن أو السنة لبيان الرأي الفقهى لكل ما يجد من الحوادث والوقائع الجديدة لكى يظل الفقه الإسلامى سائداً ومتمشياً مع ظروف الحياة وتطورها ، وبيّن لهم صلى الله عليه وسلم أنهم مثابون إن أصابوا أو أخطأوا ، ومما يؤيد ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
والأحكام التي توصل إليها الصحابة عن طريق الاجتهاد كانت تنسب إليهم ، وكانوا يرون أنها تحتمل الصواب والخطأ ، فأبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ كان يجتهد ويقول : " هذا رأيى فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمنى وأستغفر الله " . وقد سُئل عبد الله بن مسعود عن المفوضة وهى التي مات عنها زوجها ولم يسهم لها مهراً فقال : " أقول فيها برأيى فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه برئ ".
واختلاف الصحابة في الفروع " لا مندوحة عنه وأن مثل هذا الاختلاف لا يكون مذموماً مادام مستنداً إلى وجه من وجوه الاستدلال ، وليس هناك دليل أرجح ، إنما يذم الاختلاف الذي يزكيه الهوى ويؤججه التعصب فيعمى أصحابه عن الدليل ، ويحول بينه وبين الرضوخ للحق عند تعارض الأدلة ومعرفة الراجح منها ، وإذا تم الاتفاق فإنه يكون نعمة ورحمة".
الترجيـــح :
يتبين لنا مما سبق من المناقشة أن الأدلة التي ساقها المنكرون لحجية القياس لم تسلم من النقض والمعارضة ، وأن ما ذكره هؤلاء من الأدلة حمل بعضها على القياس الفاسد توفيقاً بينها وبين الأدلة التي أفادت حجية القياس ، كما ظهر لنا سلامة الأدلة التي ذكرها جمهور العلماء على حجية القياس .
حكـــم القيـــاس :
يراد بحكم القياس إما صفته الشرعية أي حكمه التكليفي ، وإما أثره المترتب عليه .
أما حكمه التكليفي ، فقد قال الله تعالى : } فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ{. ونزلت الآية في يهود بنى النضير وهم رهط من اليهود نزلوا المدينة ، وعاهدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فغدروا بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد المعاهدة ، وصاروا عليه مع المشركين ، فحاصرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتم إجلاؤهم من المدينة وأجلى أخرهم في زمن عمر بن الخطاب.
ومعنى " فاعتبروا يا أولى الأبصار" ، أي " اتعظوا وتدبروا وانظروا فيما نزل بيهود بنى النضير ، قال الواحدى : " ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها ". والاعتبار في اللغة انتقال من شيء إلى شيء آخر ، والقياس يحصل به الانتقال من حكم الأصل إلى الفرع فهو داخل تحت الاعتبار المأمور به في الآية . فالقياس مأمور به ، والمأمور به إما أن يكون واجباً أو مندوباً .
والواجب إما أن يكون واجباً عينياً أو واجباً كفائياً .
فيكون القياس واجباً عينياً إذا كان القياس مطلوباً في حادثة عرضت على قاض أو مجتهد ولا يوجد من يقوم مقامه والوقت ضيق لا يتسع للتأجيل، فيكون القياس واجب عينياً على القاضي أو المجتهد في هذه الحالة ويأثم بتركه.
ويكون القياس واجباً على الكفاية فيما إذا وقعت حادثة ببلد معين وكثر فيها المجتهدون ، فإذا قام بعض هؤلاء المجتهدين بالقياس المطلوب سقط الإثم عن الجميع ، وإذا لم يقم به أحد من المجتهدين لمعرفة حكم الحادثة الجديدة أثم الجميع.
ويكون القياس مندوباً في الحوادث التي يمكن وقوعها في المستقبل ، فحينئذ يندب للمجتهد أن يعمل القياس فيها ، بأن يقيس الواقعة غير المنصوص عليها والتي يمكن حدوثها في المستقبل بواقعة منصوص على حكمها عند اشتراكهما في علة الحكم ، فيعطى حكم الأصل للفرع ، وعندما تقع الحادثة فعلاً يكون الحكم معداً سلفاً فيطبق عليها الحكم الذي سبق التوصل إليه بالقياس.
وقد يكون القياس حراماً إذا قام به شخص لم تتوفر لـه المقدرة والأسباب والوسائل التي تمكنه من الوصول إلى حكم الله في الواقعة المعروضة ويكون عاجزاً عن النظر الصحيح ، فيكون القياس حينئذ وسيلة إلى الحرام ، وما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام ، وكذلك إذا كان القياس في غير محله بأن يكون في مقابلة النص الصريح ، لأن القياس لا يجوز مع وجود النص الصريح في المسألة المعروضة ، وكذلك إذا كان في مقابلة الإجماع.
وأما حكم القياس بمعنى الأثر المترتب عليه فهو ظن ثبوت حكم الأصل في الفرع.
من لـه أهلية القيـاس ؟
لا يصح القياس إلا ممن توفرت فيه شروط الاجتهاد كالعلم بأحكام القرآن وما فيه من عام وخاص ، ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ ، والعلم بالسنة والصحيح منها وغير الصحيح ، وأن يعلم أقوال السلف ، ومواطن الإجماع والاختلاف ، وأن يعرف معنى القياس وشروطه ، وطريقته ، وأن يكون على علم باللغة العربية بالقدر الذي يمكنه من فهم النصوص ، وأن تكون لديه ملكة في معرفة علل الأحكام .
قال الإمام الشافعى : ولا يقيس إلا من جمع الآلة (أي الأدوات) التي لـه القياس بها وهى : العلم بأحكام كتاب الله فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه وإرشاده .
ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا لم يجد سنة فإجماع المسلمين ، فإن لم يكن إجماعٌ فبالقياس .
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف ، وإجماع الناس ، واختلافهم ، ولسان العرب ، ولا يكون لـه أن يقيس حتى يكون صحيح العقل وحتى يفرق بين المشتبه ، ولا يعجل بالقول به دون التثبت (أي التحقق) ، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتاً فيما اعتقد من الصواب ، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول ، وترك ما يترك ، ولا يكون بما قال أغنى منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله .
فأما من تم عقله ولم يكن عالماً بما وصفنا فلا يحل لـه أن يقول بقياس ، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه ، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة لـه بسوقه .
ومن كان عالماً بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس لـه أن يقول أيضاً بقياس لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني .
وكذلك لو كان حافظاً مقصر العقل أو مقصراً عن علم لسان العرب لم يكن لـه أن يقيس ، من قِبل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس، ولا نقول يسع هذا ـ والله أعلم ـ أن يقول أبداً إلا إتباعا لا قياساً (أي إتباع الخبر من القرآن أو السنة أو الإجماع أو ما عرف من العلم) ".
نوعــا القياس :
للقياس نوعان وهما :
القياس الجلي: أي الذي يتبادر إلى الذهن في أول الأمر ، وهو ما كانت علة الفرع فيه أقوى من الأصل.
ومثاله قياس شتم الوالدين على التأفيف لاشتراكهما في العلة وهى الإيذاء، والإيذاء في الشتم أشد من الإيذاء في التأفيف ، ولذا فإن الشتم يكون أولى بالتحريم من التأفيف المنهى عنه في قولـه تعالى : } فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ{.
والقياس الجلى يشمل : القياس المساوى ، وهو ما يكون ثبوت الحكم في الفرع مساوياً لثبوته في الأصل ، وتكون العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.
مثاله : قياس المرأة على الرجل في وجوب الكفارة عليها إذا رضيت بالجماع وهى صائمة في رمضان .
وأيضاً : قياس إحراق مال اليتيم على أكله المنصوص على حرمته في قولـه تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً { ، لاشتراك الأصل والفرع في العلة وهى الإتلاف .
القياس الخفي: وهو ما انتفت فيه الأولوية والمساواة بأن يكون ثبوت الحكم في الفرع أضعف من ثبوته في الأصل ، وتكون العلة في الفرع أضعف منها في الأصل.
ومثاله قياس النبيذ على الخمر لاشتراكهما في علة الإسكار ، والعلة ثابتة في الأصل بصورة أقوى من النبيذ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الثورة
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 113
معدل النشاط : 128
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : السادس

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:45 am


تعريف الاجتهاد، وبيان أدلته الشرعية
ومحله وأهميته، وحكمه التكليفى
ونتناوله في الآتي:
- تعريف الاجتهاد.
- أدلة الاجتهاد الشرعية.
- أهمية الاجتهاد.
- محل الاجتهاد.
- حكم الاجتهاد التكليفي.
تعريف الاجتهاد
الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، يقال جَهْدت نفسى، وأجهدتها، والجهد هو الوسع والطاقة.
كما يقال: جَهَد في الأمر جهداً من باب نفع إذ طلبه حتى بلغ غايته في الطلب، ويقول تعالى: } وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ {.
والاجتهاد في اصطلاح الأصوليين: هو " بذل الوسع في نيل حكم شرعى عملي بطريق الاستنباط ".
وعرفه الآمدى بأنه " استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يُحس من النفس العجز عن المزيد فيه ".
واستفراغ الوسع أو بذلـه الوارد في التعريف يقتضى أن يفرغ المجتهد كل ما في وسعه من طاقات عقلية، وأن يشعر من نفسه العجز عن المزيد فيه، فلا يكون اجتهاداً مع التقصير.
والاجتهاد وسيلة للوصول إلى حكم شرعى عملى، وهو الحكم الفقهى، فلا يدخل في الاجتهاد الأحكام اللغوية، والأحكام المتعلقة بالعلوم الحسية فلا تسمى اجتهاداًَ في اصطلاح الأصوليين.
ولا يدخل في الاجتهاد نيل الأحكام من النصوص ظاهراً، أو حفظ المسائل، أو استعلامها من المفتى، أو بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك وإن كان يصدق عليه الاجتهاد في اللغة، فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين لأنه لم يكن بطريق الاستنباط.
وقد زاد بعض الأصوليين في تعريف الاجتهاد لفظ الفقيه، فقال: بذل الفقيه الوسع، ومعلوم أن بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهاداً اصطلاحاً.
وما ذكره الأمدى في التعريف بأن الاجتهاد طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية يفيد أنه لا اجتهاد في الأحكام القطعية.
ولما كان هذا الاجتهاد من الفقيه لا يتحقق إلا بعد وجود ملكة عقلية خاصة، فقد عرفه بعض العلماء بأنه " ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ".
والفرق بين هذا التعريف وما سبقه من تعريفات أن هذا التعريف يبين الاجتهاد بمعنى القدرة العقلية عليه، سواء حدث اجتهاد أم لا، أما التعريفات السابقة فإنها تعرف الاجتهاد الحاصل فعلاً بناء على هذه الملكة العقلية عن طريق بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
والمجتهد: هو الفقيه المستفرغ لوسعه من أجل تحصيل حكم شرعى ظنى، ولابد أن يكون بالغاً عاقلاً.
" أدلة الاجتهاد الشرعية "
وقد دل على مشروعية الاجتهاد الأدلة الآتية:
من القرآن الكريم:
قول الله تعالى: } فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ {.
فالآية الكريمة تدل على إقرار الاجتهاد عن طريق القياس.
وقوله تعالى: } وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ {.
والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحى.
وأيضاً قولـه تعالى: } إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ {.
وما أراده يشمل الحكم عن طريق النص والاستنباط من النصوص، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: } وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ {، وقوله سبحانه: } فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً {.
وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد وليس الوحى.
ومن السنــة:
ما روي عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله r لما بعثه إلى اليمن سأله "كيف تقضى إذا عرض لك القضاء ؟ قال: " أقضى بما في كتاب الله، قال: " فإن لم تجد في كتاب الله؟" قال: فبسنة رسول الله، قال: " فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ " قال: أجتهد رأيى ولا آلوا ـ أى لا أقصر ـ، قال: معاذ: " فضرب رسول الله r صدره، وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله ".
ما روي عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله r يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ".
وقد أجمع العلماء على مشروعية الاجتهاد.
وأما العقل:
فإن الشريعة الإسلامية هى خاتمة الشرائع، وهى شريعة عامة جاءت لكل الناس، والنصوص الشرعية محدودة، والوقائع التي تحدث من الناس متجددة ولا حصر لها، وهذا يقتضى إعمال الاجتهاد حتى يمكن معرفة أحكام الحوادث الجديدة عن طريق القياس، أو مراعاة المصالح التي تهدف إليها الشريعة، أو بناء الحكم على مبادئ الشريعة العامة، وقواعدها الكلية، وبهذا تكون الشريعة حاكمة لحوادث الزمان المتجددة، وملاحقة لتطورات العصر.


أهمية الاجتهاد
إن للاجتهاد أهميته بالغة في أى عصر من العصور، لأن النصوص الشرعية متناهية، أما القضايا الحادثة فهى غير متناهية، ولابد من بيان حكم الشارع لما يستجد من الحوادث، ومن هنا تبرز أهمية الاجتهاد وضرورته، فالاجتهاد هو سبيل معرفة الأحكام الشرعية، إذ لو خلا عصر من العصور عن مجتهد يرجع إليه لمعرفة حكم الشارع لأدى هذا إلى توقف الفقه وجموده، وعدم ملاحقته لتطورات العصر، ومن أجل ذلك حث الرسول r على الاجتهاد، وقام به أصحابه رضوان الله عليهم.
يقول العلامة د. محمد مصطفي شلبى: " إن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وهى شريعة الله إلى يوم الدين، والحوادث متجددة على مر الأيام، فلو لم يكن هناك اجتهاد لاستنباط أحكام لهذه الحوادث الجديدة لوقفت الشريعة، وما سعت كل شئ، من أجل ذلك أذن الله لرسوله r بالاجتهاد فاجتهد وعلم أصحابه، وبين الله لهم في القرآن علل بعض الأحكام، لينفتح المجال أمامهم بالقياس عليها، فكان الاجتهاد من خصائص هذه الشريعة".
" محل الاجتهاد "
محل الاجتهاد ما لا نص فيه أصلاً، أو ما فيه نص غير قطعى، ولا محل للاجتهاد فيما فيه نص صريح قطعى.
فالوقائع التي يراد معرفة حكمها إذا دل على الحكم الشرعى فيها دليل صريح قطعى الثبوت والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها. ويجب تنفيذ ما دل عليه النص، ففي قولـه تعالى: } وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ { نجد أن السنة القولية والعملية بينت المراد من الصلاة والزكاة، فلا مجال للاجتهاد في معرفة المراد منها، وكذلك قوله تعالى: } الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ { فلا محل للاجتهاد في عدد الجلدات، وكذلك في الظهار يقول تعالى: } وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ { فلا محل للاجتهاد فيما يتعلق بكفارة الظهار، لأنها وردت بنص قطعى الثبوت والدلالة، وكذلك قولـه تعالى: } يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ { فلا محل للاجتهاد في توزيع الميراث الثابت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة.
وكذلك السنة المتواترة التي تبين الأموال التي يجب فيها الزكاة، ومقدار النصاب من كل مال، ومقدار الواجب فيه، وغير ذلك من النصوص القطعية في ثبوتها ودلالتها فلا محل فيها للاجتهاد.
أما إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها الشرعى لم يرد نص على حكمها في القرآن أو السنة أو ورد فيها نص ظنى في ثبوته أو في دلالته فإنها تكون محلاً للاجتهاد.
كما في قوله تعالى: } وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ { فهذه الآية الكريمة قطعية الثبوت، وقطعية ـ أيضاً ـ في دلالتها على وجوب العدة على المطلقة، إلا أنها ظنية في دلالتها على المراد من لفظ (قروء) هل هو الحيضات أم الأطهار، ولذلك اختلف الفقهاء في المراد به.
ومثل قولـه r: "أن الله أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث".
فالحديث ظنى الثبوت لأنه حديث آحاد، وهو وإن كان خبر آحاد إلا أن العلماء تلقته بالقبول وعملت به.
إن المجتهد عليه أن يبحث في الدليل الظنى الثبوت من حيث سنده، وطرق وصوله إلينا عن رسول الله r، ودرجة رواته من حيث العدالة والضبط والثقة والصدق، وفي هذا يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فمنهم من يطمئن إلى روايته ويأخذ بها، ومنهم من لا يطمئن إليها ولا يأخذ بها، ولهذا اختلف المجتهدون فيما توصلوا إليه من أحكام عملية.
فإذا اطمأن المجتهد إلى صحة السند، وصدق الرواة اجتهد في معرفة ما يدل عليه الدليل من الأحكام، لأن الدليل قد يدل ظاهره على معنى، ولكنه ليس هو المراد، وقد يكون عاماً، وقد يكون مطلقاً، وقد يكون على صيغة الأمر أو النهى.
ويستطيع المجتهد عن طريق الاجتهاد أن يعرف أن الظاهر باق على ظاهره أم هو مؤول، وأن العام باق على عمومه أو هو مخصص، وكذلك المطلق هل هو على إطلاقه أم هو مقيد، وكذا الأمر والنهى، فالمجتهد يستطيع أن يصل باجتهاده إلى أن الأمر في النص للإيجاب أو لغيره، وأن النهى هل هو للتحريم أم لغيره، مستعيناً في اجتهاده بالقواعد الأصولية اللغوية، ومقاصد الشريعة، ومبادئها العامة، حتى ينتهى إلى أن النص يمكن تطبيقه على الواقعة المعروضة أم لا.
والمجتهد حينما يبحث عن حكم الواقعة محل الاجتهاد فإنه قد يستند في اجتهاده على القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستصحاب أو الاستحسان أو العرف أو سد الذرائع، فيبذل وسعه في تطبيق هذه القواعد على الوقائع الجديدة.
حكم الاجتهاد التكليفي
والاجتهاد قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية على الأمة، وقد يكون مندوباً إليه، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون حراماً.
ويكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد في حالتين:
الحالة الأولى: وتكون في حق نفسه، إذا اجتهد في واقعة ليس لها حكم شرعي، فإنه يتعين عليه العمل بمقتضى اجتهاده، فلا يجوز له أن يقلد غيره.
والحالة الثانية: وتكون في حق غيره، وهى ما إذا حدثت واقعة اقتضت البحث والاجتهاد لبيان حكم الشارع فيها، ولم يكن في البلد مجتهد غيره، فإنه يتعين عليه أن يجتهد فيها لبيان حكم الشارع، وكما إذا ضاق الوقت عن سؤال غيره في حالة عدم وجود شخص آخر للقيام بهذه المهمة فيصير الاجتهاد فرض عين عليه.
ـ ويكون الاجتهاد فرض كفاية على الأمة كلها: بحيث يجب عليها أن تعد من بين علمائها الذين هم أهل للاجتهاد من يتولى القيام به، وإلا أثم الجميع.
والدليل على ذلك قول الله تعالى: } وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {.
فالآية الكريمة تحض على طلب العلم دون تحديد شخص بعينه لأن الاجتهاد لو فرض على كل الأفراد لتعطلت مصالح الناس، وتوقفت فلزم أن يقوم به بعض أفراد الأمة الذين تؤهلهم ملكاتهم الفكرية واستعدادهم العلمي للقيام بمهمة العلم والاجتهاد.
وأيضاً قوله تعالى: } فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { فالآية تأمر بسؤال العلماء المجتهدين عند عدم العلم بالجواب، وهذا يقتضى ضرورة وجودهم ليبينوا للناس حكم الله تعالى لأن العلماء قد اتفقوا على أن العامة عليها تقليد العلماء ولا يجوز لها الفتيا لجهلها بالتحليل والتحريم.
وبناء على ذلك فإنه لا يجوز خلو أى عصر من العصور من المجتهدين لأن الاجتهاد إما أن يكون فرضاً عينياً أو واجباً كفائياً.
ويكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالة الافتراض الفقهى في الأمور التي هى محتملة الحدوث، بأن يفترض الفقيه الحادثة قبل وقوعها، ويجتهد فيها لبيان حكم الشارع، فإذا وقعت كان الاستعداد لها قائماً، فيقضى فيها بما توصل إليه اجتهاده قبل وقوعها، أو أن يستفتيه سائل قبل وقوع الحادثة فيجتهد في الإفتاء.
ويكون الاجتهاد مكروهاً فيما يفترض من الوقائع التي لم تجر العادة بحدوثها، فإن العمل به عبث لا فائدة منه.
ويكون الاجتهاد حراماً في الأحكام التي ثبتت بدليل قطعى في ثبوتها وفي دلالتها، وكذلك الأحكام التي أجمع عليها المجتهدون لأنه لا اجتهاد مع النص أو الإجماع.
شــروط الاجتهاد
نبين فيما يلي الشروط الأساسية للاجتهاد والتي اتفق عليها علماء الأصول:
أن يكون عالماً بنصوص القرآن الكريم: فيشترط فيه أن يكون عالماً بآيات الأحكام في القرآن الكريم، ودقائقها، وأن يعلم العام منها والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، وكل ما يتعلق بآيات الأحكام، وأن يكون عارفاً بأسباب النزول وعارفاً بالناسخ والمنسوخ في نصوص الأحكام بحيث لا يخفي عليه شيئ من ذلك مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ.
ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب، بل بما يتعلق منه بالأحكام.
أن يكون عالماً بالسنة: بحيث يستطيع أن يعرف درجة سند هذه السنة من الصحة أو الضعف رواية ودراية.
ولقد قيض الله سبحانه وتعالى للسنة العلماء المخلصين الذين هبوا للدفاع عنها وحمايتها من أعدائها، وتعقبوا الوضع والوضاعين وعملوا على تنقيتها مما دسوه فيها من زيف وضلال وحذروا المسلمين من اتباعهم، وأثبتوا كذبهم على رسول الله r على أساس علمى ومنهجى فوضعوا علم الجرح والتعديل، وقد تضمن هذا العلم البحث في أحوال الرجال ورواة السنة وتاريخهم وعدالتهم وثقتهم وضبطهم، كما تضمن وضع القواعد المتعلقة بسند الحديث ومتنه حتى لا يقبل من الأحاديث إلا ما عرف رواتها، وتوفرت شروط القبول فيهم من عدالة وثقة وضبط، فلا تقبل رواية من ثبت كذبه أو غفلته أو فسقه أو نسيانه.
كما وضعوا العلامات التي تدل على الوضع في المتن مثل مخالفته لصريح القرآن الكريم، أو ضعف أسلوبه، أو فساد معناه، وغير ذلك من الأمور التي تناولتها كتب السنة المتخصصة في هذا المجال، فمتى توفرت فيه شروط القبول المتعلقة بسند الحديث ومتنه قبل وإلا رد.
ولم يقتصر دور العلماء على التحرى في سند الحديث والتحقق من المروى، بل أضافوا إلى ذلك مجموعة من القواعد العامة يتم على أساسها تقسيم الحديث إلى أقسام وأنواع باعتبار الثقة فيه وعدمها، فقسموا الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وألفوا كثيراً من الكتب في الكشف عن الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.
وبهذا حمى الله السنة من أعداء الإسلام أو الجهلة الذين لا يدركون عواقب الأمور، لأنه سبحانه تكفل بحفظ دينه من عبث العابثين، وجهل الجاهلين، ومكر الماكرين، وقد وعد بذلك في قوله عزل وجل: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {. ويشترط أن يكون المجتهد عارفاً بذلك كله.
ويقول الإمام الشوكانى: والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لابد أن يكون عالماً بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست وما يلحق بها مشرفاً على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة مستحضرة في ذهنه، بل يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظاً لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح ".
ويرى الإمام أبو حامد الغزالي والرافعى وجماعة من الأصوليين أنه يكفي المجتهد أن يكون عنده أصل يجمع أحاديث الأحكام كسنن أبى داود، والسنن الكبرى للبيهقى، أو أصل وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام، ويكتفي فيه بمواقع كل باب، فيراجعه عند الحاجة.
أن يكون عالماً باللغة العربية: لأن القرآن الذي جاء بهذه الشريعة عربى، وكذلك السنة النبوية الشريفة جاءت بلسان عربى، يقول تعالى: }وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ { وقوله تعالى: } وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم {، واشتراط علمه باللغة العربية بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، ولا يشترط أن يكون جامعاً لها، بل المعتبر أن يتمكن من معرفة معانيها من مصادرها الأصلية، وأن يتمكن من معرفة خواص تراكيبها، وما اشتملت عليه من بيان وجمال ومزايا، وأن يستطيع التمييز بين دلالات الألفاظ من الحقيقة والمجاز، والكلى والجزئى، والمفرد والمركب، والعام والخاص، والنص والظاهر، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، ونحو ذلك.
أن يكون عالماً بأصول الفقه: وهذا شرط أساسى للاجتهاد إذ أن أصول الفقه من أهم العلوم للمجتهد، لأنها تبين له كيفية استنباط الأحكام من النصوص، فأصول الفقه يبحث في الأدلة التي تبنى عليها الأحكام، ويبين للمجتهد الشروط التي يجب توفرها للاستدلال بها، ويتناول قواعد استنباط الأحكام من الأدلة، فيبين أنواع الألفاظ باعتبار وضعها لمعانيها وهى الخاص والعام والمشترك، وتقسيم الألفاظ باعتبار استعمالها إلى حقيقة ومجاز وصريح وكناية، ثم يبين وضوح دلالات الألفاظ وخفاءها، ودلالة الألفاظ على معانيها على النحو الذي قدمناه في هذه الدراسة.
ويدخل في العلم بأصول الفقه العلم بالقياس لأنه من أهم الأدوات التي يحتاجها المجتهد لاستخراج الأحكام من الأدلة، بعد معرفة أوصاف العلل التي يقوم عليها.
والعلم بالقياس يقتضى العلم بثلاثة أمور.
أولاً: العلم بالنصوص التي يبنى عليها، والعلل التي قامت عليها أحكام هذه النصوص، والتي بها يستطيع المجتهد إلحاق حكم الفرع إليها.
ثانياً: العلم بشروط القياس التي وضعها الأصوليون مثل معرفة أوصاف العلة التي يبنى عليها القياس، والأمور التي يصح فيها القياس والتي لا يصح.
ثالثاً: العلم بالمناهج التي سلكها السلف الصالح للتعرف على علل الأحكام.
أن يكون عالماً بمسائل الإجماع، ومواضع الخلاف: فيعرف الأحكام المجمع عليها، والتي لا يجوز فيها الاجتهاد، لكيلا يجتهد فيها ويفتى بخلافها، ولا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل كل مسألة فيها ينبغى أن يعلم أن فتواه ليس مخالفاً للإجماع.
ويشترط مع علمه بمواضع الإجماع التي أجمع عليها السلف أن يكون على علم باختلاف الفقهاء، فيعرف اختلاف فقه مدرسة الحديث ومنهجها عن فقه مدرسة الرأى ومنهجها، ويستطيع الموازنة بينهما، لأن معرفة الفقيه للرأى المخالف يجعله بعيداً عن الغفلة، وكان الإمام مالك إذا التقى بتلاميذ الإمام أبى حنيفة سألهم عما كان يقول الإمام أبو حنيفة في المسائل التي تعرض له أثناء بحثه في الفقه.
ومعلوم أن دراسة آراء الفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم، والمقارنة بينها يقوى في الفقه ملكة الفهم والتقدير للآراء، وقد وجدت كتب لاختلاف الفقهاء مثل: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، المغنى لابن قدامة، والمحلى لابن حزم الأندلسى، واختلاف الفقهاء للإمام الطبرى، ويعد كتاب الإمام الطبرى من أقدم الكتب التي تضمنت اختلافات الفقهاء، واحتجاج كل منهم برأيه، وقد حفظ كثيراً من آراء الفقهاء الذين اندثرت مذاهبهم.
أن يكون المجتهد عالماً بأحوال عصره، وظروف مجتمعه، ومشكلاته، وأحواله السياسية والدينية والفكرية، والاقتصادية والنفسية وأعرافه السائدة، وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى، ومدى تفاعله معها، لأن المجتهد لا يجتهد وهو منعزل عن مجتمعه، بل يبحث عن الوقائع التي تنزل بالناس والمجتمعات من حوله، ومن جهل زمانه فقد جهل، يقول فضيلة العلامة د. عبد الوهاب خلاف: " وعلى المجتهد أن يكون خبيراً بوقائع أحوال الناس ومعاملاتهم حتى يعرف ما تتحقق فيه علة الحكم من الوقائع التي لا نص فيها، ويكون خبيراً أيضاً بمصالح الناس وأعرافهم، وما يكون ذريعة إلى الخير أو الشر فيهم، حتى إذا لم يجد في القياس سبيلاً إلى معرفة حكم الواقعة سلك سبيلاً آخر من السبل التي مهدتها الشريعة الإسلامية للوصول إلى استنباط الحكم فيما لا نص فيه ".
أن يكون عالماً بمقاصد الشريعة الإسلامية: فمقصدها الأول هو الرحمة بالناس لقوله تعالى: } وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ {.
وهذه الرحمة اقتضت قيام تلك الشريعة على رعاية مصالح الناس بمراتبها الثلاث: الضرورية والحاجية والتحسينية، كما اقتضت أن يقوم الشرع الإسلامي على مبدأ التيسير ورفع الحرج عن الناس، وتحقيق العدل بينهم.
فالشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع، لا من حيث إدراك المكلف لها.
وإذا اجتهد المجتهد بناء على المصلحة المرسلة فإنه يجب عليه أن يعرف المصالح الحقيقية، والمصالح الوهمية التي يكون مبعثها الهوى والشهوات، كما يجب عليه أن يعرف ما يشتمل عليه الفعل من مصالح ومضار، ويوازن بينها، فيقدم دفع المضار على جلب المصالح، كما يقدم ما ينفع الجماعة على المصلحة الفردية.
ولقد بين الإمام الشاطبى أن الاجتهاد يقوم على أمرين أساسيين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
والثانى: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.
أما الأول: فهو أن الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الإنسان مبلغاً فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبى r في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله.
وأما الثانى: فهو كالخادم للأول، فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً، ومن هنا كان خادماً للأول .. لكن لا تظهر ثمرة الفهم إلا في الاستنباط، فلذلك جعل شرطاً ثانياً، وإنما كان الأول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة لأنه المقصود، والثانى وسيلة ".
فقد وضح الإمام الشاطبى أن إدراك مقاصد الشريعة هو الأساس الذي يبنى عليه الاجتهاد، والاستنباط يأتى كالخادم له، لأن العلوم الأخرى من لغة ومعرفة لأحكام القرآن وغيرها لا تنتج استنباطاً جديداً إن لم يكن المجتهد على علم تام بمقاصد الشرع وغاياته.
صحة الفهم وحسن التقدير: يشترط في المجتهد أن يكون صحيح الفهم حسن التقدير، ونافذ النظر حتى يصل إلى الحكم الصحيح على الوقائع، وحتى يتمكن من استعمال معلوماته السابقة وتوجيهها، والتمييز بين الآراء القوية والضعيفة، وأن تكون لديه ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مصادرها، فيعرف غث الآراء من سمينها وطيب الأقوال من خبيثها".
أن يكون المجتهد مخلصاً لله تعالى لا يبغى من وراء اجتهاده الجاه أو الشهرة ولا يبغى سوى الوصول إلى الحق، وهذا يجعله غير متعصب لرأى معين أو لهوى نفسى، فلا يعتقد صحة ما رأى وخطأ ما رأى غيره، بل يعتقد أن كلا الرأيين يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، كما قال الإمام أبو حنيفة: " هذا أحسن ما وصلنا إليه ومن يصل إلى أحسن منه فلنتبعه ". وكان الإمام الشافعى حينما يناظر أحداً في العلم لا يعنيه سوى الوصول إلى الحق والحقيقة، وسواء كان هذا الحق في جانبه أو في جانب الطرف الآخر، ولهذا نرى المجتهد سرعان ما يرجع عن رأيه إذا تبين لـه أن الحق في جانب رأى غيره، لأن الإخلاص في ابتغاء الحقيقة يساعد المجتهد على الوصول إليها أينما وجدت .
أقســام الاجتهاد
ينقسم الاجتهاد إلى أقسام مختلفة لاعتبارات معينة، ونتناول أهم هذه الأقسام فيما يلى:
تقسيم الاجتهاد باعتبار الإطلاق والتقييد:
1- والاجتهاد المطلق: هو الذي يكون فيه المجتهد غير ملتزم بأصول وقواعد إمام معين،2- وإنما يقوم اجتهاده على مصادر الشريعة وأدلتها،3- ويرجع المجتهد في اجتهاده هذا إلى أصول الشريعة،4- ويستنبط منها بطريق مباشر.
والذين قاموا بالاجتهاد المطلق هم فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدون. ويمكن أن يطلق على هذا المجتهد المستقل لأنه يستخرج الأحكام الشرعية من أدلتها دون أن يقلد أحداً غيره.
5- الاجتهاد المقيد: وهو الذي يتقيد فيه المجتهد بأصول وقواعد مذهب معين من المذاهب الفقهية،6- ولا يخرج عنها.
ويمكن أن يطلق على هذا المجتهد مجتهد المذهب، لأنه يستخرج الأحكام من أدلتها التفصيلية بناء على القواعد والأصول التي يقوم عليها المذهب، مثل الصاحبين أبى يوسف ومحمد في المذهب الحنفي، ومثل ابن القاسم وابن وهب في المذهب المالكي، ومثل المزني والبويطي في المذهب الشافعى.
ويتلخص عمل مجتهد المذهب فيما يلي:
1- استخلاص القواعد التي كان يلتزم بها الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية.
2- استنباط الأحكام التي لم تؤثر عن أصحاب المذاهب الأولين،3- إعمالاً لتلك القواعد. وهؤلاء المجتهدون هم الذين حرروا الفقه المذهبي،4- ووضعوا الأسس لنمو هذه المذاهب والبناء عليها.
تقسيم الاجتهاد باعتبار من يقوم به:
وينقسم الاجتهاد بهذا الاعتبار إلى قسمين: اجتهاد فردى، واجتهاد جماعى.
والاجتهاد الفردي هو الذي يقوم به شخص توفرت فيه شروط الاجتهاد، وقد أقر رسول الله r الاجتهاد الفردى، فقد أقر r معاذاً على اجتهاده إذا لم يجد نصاً في القرآن أو السنة فيما يعرض عليه من القضايا كما قدمنا، ومما كتبه عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعري لما بعثه للقضاء: " الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله r ثم اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق ".
ومن هذا النوع أنا أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يجتهد في القضية التي لم يرد فيها نص ولا إجماع ويقول: " هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمنى وأستغفر الله "، وقد سئل ابن مسعود عن المفوضة وهى التي مات عنها زوجها ولم يسم لها مهراً فقال: " أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه برئ ".
الاجتهاد الجماعي: وهو الذي يقوم به العلماء في القضايا الجديدة المعروضة عليهم، وغالباً ما تكون هذه القضايا عامة تمس المصالح العامة للأمة.
والدليل على هذا النوع من الاجتهاد قوله تعالى: } وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ {.
وهذا يدل على وجوب توفر العلماء الذين يقومون بالأمر المعروف والنهى عن المنكر وهذا الوجوب على الكفاية وليس كل الناس علماء.
وأيضاً قولـه تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {.
فالله سبحانه أمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، والعلماء هم الذين يقومون بهذه المهمة، لأنه ليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة.
وقيل إن: " أولى الأمر " هم الفقهاء والعلماء وأولوا العقل والرأى الذين يدبرون أمر الناس.
وقد عمل الصحابة رضى الله عنهم بالاجتهاد الجماعى، ودليل ذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد، وترتيب واحد، وحرف واحد، أى على قراءة واحدة بلغة قريش.
وكان أبو بكر رضى الله عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضى به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله r، فإن وجد فيها ما يقضى به قضى به، فإن أعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذ اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر رضى الله عنه يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء، فإن كان لأبى بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.
كما روي أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه شاور الناس في حد الخمر، وقال: " إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها، فقال له على رضى الله عنه " إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفترى ثمانون "فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: "بلغ صاحبك ما قالوا" فضرب خالد ثمانين، وضرب عمر ثمانين.
فهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم إذا لم يجدوا النص الذي يحكم الواقعة الجديدة كانوا يأخذون بالاجتهاد الجماعى عن طريق جمع علماء الناس واستشارتهم، ولا شك أن الاجتهاد الجماعى يحول دون حدوث الاختلافات، وتشتت الآراء بين العلماء، ويحفظ الأمة من الآثار المترتبة على ذلك، ولا سيما في الأمور المتعلقة بالمصلحة العامة.
تقسيم الاجتهاد باعتبار محله:
ينقسم الاجتهاد بهذا الاعتبار إلى قسمين اجتهاد عام واجتهاد خاص:
7- الاجتهاد العام: هو الذي يجتهد في كل فروع الفقه وموضوعاته.
وقد أطلق كثير من علماء الأصول على المجتهد الذي يفتى في جميع مسائل الفقه المجتهد المطلق.
8- والاجتهاد الخاص: هو الذي يكون فيه المجتهد متخصصاً في موضوع معين من موضوعات الفقه أو فروعه أو مسائله دون غيرها،9- وهو ما أطلق عليه الأصوليون " تجزؤ الاجتهاد أو انقسامه " كمن استفرغ وسعه في العلم بالفرائض وهو المواريث،10- وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم،11- أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك.
مقاصــد التشريـع العامــة
إن أى تشريع من التشريعات لـه مقاصده العامة التي ابتغى المشرع تحقيقها من هذا التشريع .
والغاية الأساسية من التشريع الإسلامي تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: " المصلحة هي المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة".
وإن من يتتبع نصوص الشارع الحكيم في القرآن أو السنة يجدها تهدف إلى تحقيق هذه الغاية، ويدل على ذلك التعليلات العديدة للنصوص الشرعية:
يقول تعالى في تعليل إرسال الرسل: } وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ{، ويقول سبحانه في الطهارة: } مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {، ويقول سبحانه في شأن الصلاة: } وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ {، ويقول جل وعلا في تعليل شرعية الزكاة: } خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا {، وفي الصيام يقول تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {، وفي الحج يقول الله سبحانه: }وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ{، وفي القصاص: } وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {، وفي تحريم الخمر والميسر يقول تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ {، وفي شرعية القتال في سبيل الله وسبيل حماية المستضعفين يقول تعالى: } وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً{، ونحو ذلك من النصوص الدالة على تعليلات الأحكام.
ومن هذه النصوص الكريمة وغيرها يتبين لنا أن المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام هو تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم، ومصالح الناس تتكون من أمور ضرورية، وأمور حاجية، وأمور تحسينية، فإذا توافرت لهم الضروريات والحاجيات والتحسينات تحققت مصالحهم، وقامت أحكام التشريع الإسلامي لتحقيق هذه الأمور الثلاثة الضرورية والحاجية والتحسينية، ولم يهمل الشارع أمراً منها دون أن يشرع أحكاماً تهدف إلى تحقيقها بغرض تحقيق مصالح الناس، فكل حكم شرعى ما قصد به إلا تحقيق واحد من هذه الأمور الثلاثة المتعلقة بمصالح الناس .
وقد اهتم رجال السلطة التشريعية في الحكومات المعاصرة بوضع المذكرات التفسيرية التي تبين المقصد العام من تشريع القانون الوضعى والمقصد الخاص لكل مادة من مواده.
ومعرفة مقاصد التشريع العامة يعين المجتهدين على فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، لأن ألفاظ النصوص وعباراتها قد تحتمل وجوهاً متعددة، والذي يرجح أحد هذه الوجوه دون غيره هو الوقوف على مقاصد التشريع العامة التي استهدفها الشارع من تشريع الأحكام.
وهناك بعض الوقائع المستجدة قد لا تتناولها النصوص، فتكون الحاجة ماسة إلى بيان حكمها بأى دليل من الأدلة الشرعية كالقياس والمصلحة المرسلة وسد الذرائع ونحوها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان المجتهد مدركاً لمقاصد التشريع العامة.
كما أن بعض النصوص التي تتعلق بمسألة بعينها قد يتعارض بعضها مع بعض في الظاهر، فلا يُرفع هذا التعارض بالتوفيق بين الأدلة المتعارضة في المسألة الواحدة إلا بمعرفة مقاصد التشريع.
ولهذا قام علماء الأصول بتقسيم المقاصد العامة للتشريع الإسلامي إلى ثلاثة أقسام:
مقاصد ضرورية .
مقاصد حاجية .
مقاصد تحسينية أو كمالية .
فالمقاصد الضرورية: هى الأمور التي لابد منها لقيام حياة الناس واستقامة مصالحهم، بحيث لو اختلت كلها أو بعضها لاختل نظام حياتهم وضاعت مصالحهم، وعمت الفوضى والمفاسد جوانب حياتهم، لأنه يتوقف عليها نظام الحياة، ومراعاة ضروريات الناس ترجع إلى حفظ خمسة أشياء وهى: 1ـ الدين. 2ـ النفس والنسل. 3ـ العقل. 4ـ العرض. 5-المال.
وحفظ هذه الأشياء يكون بتشريعها وتشريع ما يضمن بقاءها وحفظها.
فالديـن: وهو مجموع العقائد والعبادات والأحكام التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقات الناس بربهم، وعلاقات الناس بعضهم ببعض .
وقد شرع الله الدين بإيجاب الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، والنطق بالشهادتين، وفرض الصلاة والزكاة والصيام والحج. وشرع الله الجهاد في سبيل الله لحماية الدين من العدوان عليه، ومقاتلة الذين يصدون عنه ويمنعون نشر الدعوة إليه، والتصدى لأهل البدع أو الذين يحرفون أحكامه عن مواضعها ويثيرون الفتن في الدين، أو يمنعون الزكاة المفروضة، كما شرع الحجر على المفتى الماجن الذي يحل ما حرّم الله، وما شابه ذلك .
والنفس والنسل: فقد شرع الله الزواج للتكاثر وتكوين الأسرة وحرّم الزنا تحريماً قاطعاً وأوجب على الزانى المحصن الرجم وعلى غير المحصن الجلد، لكى يبتعد عنه الناس، ويقبلوا على الزواج الشرعى الذي به يحصل التوالد والتناسل، وينسب به الولد لأبيه، فتحيا البشرية حياة كريمة يعرف كل فرد فيها واجباته وحقوقه تجاه الأسرة، وبه يبقى النوع الإنسانى بقاء كريماً منظماً ترفرف عليه معانى السعادة والحب والتماسك والتعاون، فتسعد الأسرة الصغيرة وهى الخلية الأولى التي يتكون منها المجتمع الكبير، فتنعكس عليه سعادتها وترابطها .
وحافظ الإسلام على النفس والنسل بإيجاب القصاص على من يعتدى عليها عمداً عدواناً، وإيجاب الدية والكفارة على القتل الخطأ، وفرض العقوبات على من يعتدى على ما دون النفس من أطراف ومعان وفرض العقوبة على الزنا، وأباح تناول المحظورات عند الضرورة محافظة على النفس .
وأما العقل: فقد أباح الشارع كل ما يقوى نشاطه وينميه ويقيه من الشرور ويجعله في سلامة دائمة، كما منع الشارع كل ما يزيله أو يضعفه من المخدرات أو المسكرات، كما فرض العقوبات الرادعة على تناولها ليبتعد الناس عنها، حتى يظل العقل سليماً منتجاً، خالياً من كل ما يشينه أو يوهن من قوته وأدائه .
والعرض: فقد حافظ الإسلام عليه بتحريم القذف وهو الرمى بالزنا، وأوجب الحد على القاذف للمحافظة على أعراض الناس، قال تعالى: }وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {، ويقول سبحانه أيضاً: }إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ{.
والمــال: أوجب الشارع لإيجاده العمل المشروع، قال تعالى: }وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ {، وقال أيضاً: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {، ويقول سبحانــه: } هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ {.
وشرع وسائل كسب المال المشروعة كالبيع والإجارة والتجارة والمضاربة والميراث وإحياء الأرض الموات وما شابه ذلك، كما شرع ما يحافظ على المال ويحميه فحـرم السرقـة وعاقب عليهـا، قـال تعالى: }وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا {. وحرم الربا، قـال تعالى: }وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا {، وعاقب عليه، وحرم الغصب وكل ما هو أكل لأموال الناس بالباطل، قال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ {. كما حرم الرشوة والغش وخيانة الأمانات والربا وألزم بضمان المتلفات والحجر على السفيه وذى الغفلة، وغير ذلك من التشريعات التي تهدف إلى حفظ المال .
هذه هى الضروريات الخمس التي تندرج تحت مقصد الضروريات، والتي اهتمت الشريعة اهتماماً بالغاً بالمحافظة عليها .
المقاصد الحاجية: هى الأمور التي تسهل للناس حياتهم وترفع الحرج والمشقة عنهم، وإذا فقدت كلها أو بعضها فإنه لا يختل نظام الحياة كما إذا فقدت الضروريات، ولكن يقع الناس في الحرج وتلحقهم المشقة والضيق.
وهى ترجع إلى تيسير التعامل بين الناس، وتشريع الرخص للتخفيف عن العباد .
وقد شرع الإسلام في أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات جملة من الأحكام بهدف التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم .
ففي العبادات: أباح التيمم عند العجز عن استعمال الماء للمريض والصحيح الذي لم يجد المــاء، قــال تعالـى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {، وأباح الفطر في رمضان للمريض والمسافر، قال تعالى: } شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ {. وقصر الصلاة للمسافر لقوله تعالى: }وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا {. ورخص للعاجز عن أداء الصلاة قائماً أن يصلى قاعداً، وللعاجز عن الركوع والسجود أن يومئ برأسه .
وفي المعاملات: فقد بنى التشريع الإسلامي أحكام المعاملات على أساس التيسير على الناس ومراعاة حاجاتهم، ومن ذلك شرع السلم وهو بيع شيء مؤجل موصوف في الذمة بثمن عاجل مقبوض في مجلس العقد، والسلم هو بيع معدوم، والأصل فيه عدم الجواز، إلا أنه شرع لحاجة الناس إليه كما قدمنا، كما شرع المساقاة، والمزارعة، كما شرع الإجارة مع أن الأصل عدم الجواز في هذه العقود، لأن المعقود عليه معدوم وقت العقد، ولابد أن يكون موجوداً لكن الشارع أجازها مراعاة لحاجات الناس. كما شرع الطلاق للخلاص من الزوجية عند الحاجة، وأحل ميتة البحر .
وفي العقوبات: فقد راعى الشارع رفع الحرج عن الناس والتخفيف عليهم، ومن ذلك أنه شرع العفو عن القصاص في مقابل الدية أو مجاناً، قال تعالى في هذا الشأن: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ {. كما جعل الدية في حالة القتل الخطأ على العاقلة، وجعل الحدود تدرأ بالشبهات .
المقاصد التحسينية أو الكمالية: وهى الأمور التي تقتضيها المروءة والآداب، وترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ويُقصد بها سير الناس في حياتهم على أقوم منهاج، وإذا فقد أمر منها لا يختل نظام حياة الناس كما إذا فقد الأمر الضرورى، ولا ينالهم حرج كما إذا فقد الأمر الحاجى، ولكن تكون حياتهم غير طيبة وتستنكرها الفطرة السليمة والعقول الراجحة .
وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات أحكاماً يقصد بها تحقيق الكمال للحياة وتحسينها، وتُعَوِّد الناس على أحسن العادات وأقوم المناهج .
ففي العبادات: شرع الطهارات كطهارة الثوب وطهارة البدن، قال تعالى في طهارة الثوب: } وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ {، وقال تعالى في طهارة البدن: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا{. كما شرع ستر العورة وطهارة المكان والاحتراز عن النجاسات، وأمر بأخذ الزينة عند الصلاة، قال تعالى: } يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ{. كما شرع نوافل الطاعات من صلاة وصيام ونذور وصدقات وفي كل عبادة شرع مع أركانها وشروطها أو آداباً لتعويد الناس على أحسن العادات وأكمل الخصال .
وفي المعاملات: نهى عن الغش والتدليس والتغرير والاحتكار، كما نهى عن التعامل في كل بخس وضار، ونهى عن بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبة الرجل على خطبة أخيه حتى يأذن الخاطب أو يترك، وعن الإسراف والتقتير، قال تعالى: } وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً {. ك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشاكر لله
Admin
Admin


عدد المساهمات : 536
معدل النشاط : 888
مكان الامتحان : القاهرة
الكلية : الحقوق
الترم : تم التخرج

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 12:53 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
nivertry
نائب المدير العام
نائب المدير العام


عدد المساهمات : 1416
معدل النشاط : 1726
الاوسمة : ....

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الجمعة 05 أغسطس 2011, 8:12 am

thank you
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
shazlysea
عضـــو جديد
عضـــو جديد


عدد المساهمات : 15
معدل النشاط : 15

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات اصول الفقه   الثلاثاء 04 مارس 2014, 3:10 pm

thank you
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
محاضرات اصول الفقه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات جامعة القاهرة للتعليم المفتوح :: جامعة القاهرة للتعليم المفتوح :: منتدي كلية الحقوق :: الترم السابع :: الشريعه الاسلاميه (أصول الفقه ) كود 411-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» تحميــل محاضرات وتطبيقات الترم الثانى جمبع المواد
الأحد 04 ديسمبر 2016, 7:21 pm من طرف hot871205

» الالتحاق بدراسة الحقوق
الخميس 13 أكتوبر 2016, 11:12 am من طرف osra26

» مراكز تدريب محاسبين
الثلاثاء 26 يوليو 2016, 9:24 pm من طرف ayaAlrowad

» ملخص التنفيذ للطباعة على طول
الإثنين 25 يوليو 2016, 11:42 pm من طرف ikamal

» الجزء العملى للتنفيذ الجبرى 416
الإثنين 25 يوليو 2016, 11:39 pm من طرف ikamal

» ملخص البابل شيت
السبت 23 يوليو 2016, 6:29 pm من طرف ikamal

» مراكز تدريب محاسبين
الأربعاء 20 يوليو 2016, 10:56 pm من طرف ayaAlrowad

» ملخص للطباعة على طول
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:37 pm من طرف ikamal

» ملخص للطباعة على طول
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:35 pm من طرف ikamal

» ملخص للطباعة على طول
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:34 pm من طرف ikamal

» ملخص قانون العمل عبارة عن ملف وورد
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:25 pm من طرف ikamal

» ملخص الادارة العامة 421 الجزء العملى
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:21 pm من طرف ikamal

» ملخص التنفيذ الجبرى 416
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 5:00 pm من طرف ikamal

» ملخص المدنى 413
الثلاثاء 19 يوليو 2016, 4:57 pm من طرف ikamal

» مشاركة في الله سبحانه
الثلاثاء 14 يونيو 2016, 4:00 am من طرف بكرحسن

» السلام عليكم
الثلاثاء 14 يونيو 2016, 3:53 am من طرف بكرحسن

» هااااام جدا جدا ف القانون الجنائي
الأحد 27 مارس 2016, 12:37 pm من طرف السيد اسماعيل

» المهم فى الادارى2016
السبت 06 فبراير 2016, 12:42 am من طرف سنترال

» الماجستير المهنى فى التجارة الإليكترونية والتسويق الإليكترونى
السبت 19 ديسمبر 2015, 4:05 pm من طرف ايما تيم

» ملخص الشريعة
الخميس 10 ديسمبر 2015, 9:48 am من طرف mido16

» المؤتمر العربي الرابع : التطوير الإداري في المؤسسات الحكومية (الإندماج بين النظم الرقمية و النظم الإدارية ) برئاسة المستشار / ايمن الجندي - بفندق اليت ورد - 20 ديسمبر
الخميس 12 نوفمبر 2015, 12:44 pm من طرف مروة الدار

» البرنامج التدريبي : المتحدث الرسمي الاعلامي اسطنبول – تركيا للفترة من 20 الى 24 ديسمبر 2015 م
الثلاثاء 10 نوفمبر 2015, 9:37 am من طرف مروة الدار

» ماجستير إدارة الأعمال المهني المصغر – اسطنبول – تركيا للفترة من 22 الى 31 ديسمبر 2015 م
السبت 07 نوفمبر 2015, 10:21 am من طرف مروة الدار

» المؤتمر العربي الرابع : التطوير الإداري في المؤسسات الحكومية (الإندماج بين النظم الرقمية و النظم الإدارية ) برئاسة المستشار / ايمن الجندي - بفندق سفير - 20 ديسمبر
الأربعاء 04 نوفمبر 2015, 11:42 am من طرف مروة الدار

» البرامج التدريبية: القاهرة – جمهورية مصر العربية بتاريخ : 27 الى 31 ديسمبر 2015 م
الأحد 01 نوفمبر 2015, 10:42 am من طرف مروة الدار

المواضيع الأكثر شعبية
صورة شهاده مركز جامعة القاهره للتعليم المفتوح { تحب تشوفها خش هنا}
صورة شهاده مركز جامعة القاهره للتعليم المفتوح { تحب تشوفها خش هنا}
هل شهادة مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح معترف بيها فى التعينات " نعم معترف بها "
مـــــواد كليــــة الحقـــــــــوق
العيب الوحيد فى مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
صدق او لا تصدق طب وصيدلة تعليم مفتوح وتقدم وانته معاك دبلوم صنايع . خش قول رأيك
حصريا تحميل الكتب الدارسيه للترم الاول
القانون النقابي
منظمات دولية الجزء الاول