المحاضرة الثالثة
مبدأ الحرية النقابية
يعتبر مبدأ الحرية النقابية le principe de la liberté syndicale من المبادىء الأساسية فى القانون المعاصر، ومن الدعائم الرئيسية التى يقوم عليها التنظيم القانونى للمنظمات النقابية.
ولمبدأ الحرية النقابية جانبان، جانب فردى وآخر جماعى، أما الجانب الفردى فيعنى حرية العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها وحريته فى عدم الانضمام إليها أو الانسحاب منها.
والجانب الجماعى للحرية النقابية يعنى حرية جميع العمال دون تمييز فى تكوين المنظمات النقابية دون إذن سابق، وحق المنظمة النقابية فى أن تُدار وتعمل وتنقضى بحرية كاملة ودون تدخل سواء من الدولة أو من أصحاب الأعمال أو من الجماعات الأخرى.
وقد حظى مبدأ الحرية النقابية باهتمام كبير على المستوى الدولى وعلى مستوى التشريعات الداخلية على حد سواء.
فعلى المستوى الدولى لقى مبدأ الحرية النقابية اهتماماً كبيراً من هيئة الأمم المتحدة، فعلى سبيل المثال، ورد النص فى المادة 23/4 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10 ديسمبر 1948 على «حق كل شخص فى أن يُكون وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته». وقد أُخذ على هذا النص أنه يتضمن جانب فقط من جوانب الحرية النقابية وهو حق الإنسان فى تكوين والانضمام إلى المنظمات النقابية ولم يتناول الجوانب الأخرى للحرية النقابية مثل حرية الانسحاب من المنظمات النقابية واستقلال المنظمات النقابية تجاه الدولة.
وقد اهتمت منظمة العمل الدولية اهتماماً بالغاً بمبدأ الحرية النقابية، فأكدت فى ديباجة دستورها على مبدأ الحرية النقابية باعتباره ركن أساسى من أركان العدالة الاجتماعية التى تسعى المنظمة إلى تحقيقها.
وقد صدر عن منظمة العمل الدولية العديد من الاتفاقيات والتوصيات التى تحدد مستويات العمل الدولية فى مجال الحرية النقابية، أبرزها الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 بشأن «الحرية النقابية وحماية حق التنظيم»، والاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 والمتعلقة بـ «حق التنظيم والمفاوضة الجماعية».
وقد بلغ اهتمام منظمة العمل الدولية بمبدأ الحرية النقابية، أن اعتبرت الاتفاقيات المتعلقة بالحرية النقابية من الاتفاقيات الأساسية التى تلتزم بها الدول الأعضاء فى المنظمة ترتيباً على التزامها باحترام ميثاق المنظمة ودستورها حتى ولو لم تكن الدولة العضو المعنية قد صدقت على الاتفاقية.
وعلى المستوى العربى، فقد صدر عن مؤتمر العمل العربى الاتفاقية العربية رقم (

لسنة 1977 بشأن «الحريات والحقوق النقابية». أما على المستوى الداخلى فقد تناول الدستور المصرى جانباً من جوانب الحرية النقابية إذ تقرر المادة 56 منه أن «إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون».
وقد تناول كل من قانون النقابات وقانون العمل جوانب متعددة من الحرية النقابية سنتناولها فى مواضعها.
أولاً : الجانب الفردى للحرية النقابية
إن الجانب الفردى للحرية النقابية l'aspect individuel de la liberté syndicale يعنى حرية العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها، وحريته فى عدم الانضمام إليها وأخيراً حريته إذا ما انضم إليها فى الانسحاب منها وقتما يشاء.
أ- حرية الانضمام إلى المنظمة النقابية
تعتبر حرية العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها المظهر الإيجابى للجانب الفردى للحرية النقابية، وهى تعنى أن يكون بمقدور العامل أن ينضم – إذا أراد - إلى المنظمة النقابية التى يختارها دون أن يلحقه ضرر.
ويقوم هذا الحق أساساً فى مواجهة صاحب العمل الذى قد يقوم ببعض أعمال التمييز ضد العامل النقابى والتى تمثل ضغوطاً على هذا الأخير ليثنيه عن الإنضمام إلى المنظمة النقابية وممارسة العمل النقابى، والواقع أن هناك العديد من أعمال التمييز التى يمكن أن يمارسها صاحب العمل ضد العمال النقابيين، سواء عند التشغيل أو خلال قيام علاقة العمل.
فعند التشغيل قد يرفض صاحب العمل تشغيل العامل النقابى، مما يمس بصورة مباشرة حق العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية، وقد يُضمن عقد العمل نصاً يُحرم انتماء العامل لمنظمة نقابية أو ممارسته للعمل النقابى.
وأثناء قيام علاقة العمل قد يعمد رب العمل إلى حرمان العامل النقابى من بعض المزايا الاجتماعية والمالية، أو تأخير ترقيته، أو خفض رتبته فى العمل أو نقله إلى مركز أقل، وقد يصل تعسف صاحب العمل إلى حد فصل العامل بسبب نشاطه النقابى.
حرية الانضمام فى الاتفاقيات الدولية:
كرست الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 والخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم حق العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها، فقد قررت المادة الثانية منها أن «للعمال وأصحاب الأعمال بدون تمييز الحق فى تكوين المنظمات التى يختارونها أو الانضمام إليها بدون إذن سابق ودون خضوع إلا لقواعد هذه المنظمات فحسب».
وينبنى على ذلك أن الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 تقرر حرية انضمام العامل إلى المنظمة النقابية، ولا تورد أى قيود على هذه الحرية إلا القيد المستمد من حرية المنظمة النقابية فى وضع شروط الانضمام لعضويتها.
ومن جهة أخرى فقد قررت المادة الأولى من الاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 والخاصة بتطبيق مبادىء حق التنظيم والمفاوضة الجماعية أن «1- يجب أن تُوفر للعمال وسائل الحماية الكافية ضد أعمال التمييز التى يُقصد بها الحد من حريتهم النقابية فيما يختص بالعمالة.
2- تطبق مثل هذه الحماية بصفة خاصة بالنسبة للأعمال التى يُقصد بها : أ- أن تجعل تشغيل عامل يخضع لشرط عدم الانضمام لنقابة أو التنحى عن عضوية نقابة. ب- أن تؤدى إلى فصل العامل أو الإضرار به بأى صورة بسبب عضويته فى النقابة أو مشاركته فى النشاط النقابى فى غير ساعات العمل أو خلال ساعات العمل بموافقة صاحب العمل».
وعلى ذلك فإذا كانت المادة الثانية من الاتفاقية رقم 87 قد نصت على المبدأ العام وهو حرية العمال فى الانضمام إلى المنظمات النقابية التى يختارونها، فإن المادة الأولى من الاتفاقية رقم 98 قد جاءت أكثر تفصيلاً، إذ أوردت صوراً مختلفة لأعمال التمييز التى تُمارس ضد العمال لضمان انصرافهم عن التنظيم النقابى، أو لحملهم على التخلى عن عضويتهم فيه.
حرية الانضمام فى الاتفاقية العربية للحرية النقابية:
أوردت المادة "13" من الاتفاقية العربية رقم 8 لسنة 1977 بشأن الحريات والحقوق النقابية المظاهر المختلفة للجانب الفردى للحرية النقابية، فقررت أن «يكفل تشريع كل دولة حرية العامل فى الانضمام أو عدم الانضمام إلى النقابة وحريته فى الانسحاب منها».
وقد واجهت المادتان 18، 19 من الاتفاقية العربية مختلف أشكال التمييز التى يمكن أن تمارس ضد العمال النقابيين، وطالبت بحظر القيام بمثل هذه الأعمال، وقد ذكرت المادة "18" أعمال التمييز التى يُمكن أن تتخذ ضد العمال النقابيين أثناء قيام علاقة العمل فقررت «يحظر القانون نقل أو وقف أو فصل أو الإضرار بالعضو النقابى بسبب انتمائه أو ممارسته لنشاطه النقابى»
أما المادة "19" فقد قررت أن «يحظر القانون تعليق استخدام العامل أو استمراره فى عمله على شرط انضمامه أو عدم انضمامه إلى النقابة أو على شرط الانسحاب منها».
حرية الانضمام فى التشريع المصرى:
أورد التشريع المصرى العديد من النصوص التى تحمى حرية الانضمام إلى المنظمات النقابية سواء فى قانون النقابات، أو فى قانون العمل السابق 137 لسنة 1981، أو فى قانون العمل الجديد 12 لسنة 2003.
ففيما يتعلق بقانون النقابات ، فقد أوردت المادة الثالثة منه المبدأ العام لحرية الانضمام إلى المنظمات النقابية إذ قررت أن «للعامل حرية الانضمام إلى المنظمة النقابية...».
ونصت المادة "74" من قانون النقابات بدورها على جزاء جنائى لحماية حرية العامل فى الانضمام أو عدم الانضمام إلى المنظمات النقابية فقررت أن «يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرين جنيهاً ولا تزيد على مائة جنيه كل صاحب منشأة أو مسئول عن إدارتها فصل أحد العمال أو وقع عليه عقوبة لإرغامه على الانضمام إلى منظمة نقابية أو عدم الانضمام إليها أو الانسحاب منها أو بسبب قيامه بأى نشاط نقابى مشروع».
والواقع أن الجرائم المنصوص عليها فى المادة "74" من قانون النقابات تمثل اعتداء مباشر على حق العمال فى الانضمام إلى المنظمة النقابية وممارستهم للنشاط النقابى وهو حق مكفول بمقتضى نصوص القانون.
وتجدر الإشارة إلى أن العقوبة التى توقع على صاحب العمل فى مثل هذه الحالات وهى الغرامة من عشرين جنيه إلى مائة جنيه لا تتسم بأى فاعلية، إذ تبلغ من الضآلة حداً لا يمكن معه أن تمثل أى ردع لصاحب العمل، بل على العكس قد يغريه مبلغ الغرامة الزهيد على التخلص من العمال النقابيين مقابل دفع قيمة الغرامة، لذلك فإنه من الملائم إعادة النظر فى قيمة الغرامة المقررة فى مثل هذه الحالات لتكون أكثر فاعلية وتأثيراً.
وقد كفل المشرع – أيضاً – فى المادة "48" من قانون النقابات حماية القيادات النقابية ضد بعض الإجراءات المضادة لهم، وقد مد المشرع نطاق هذه الحماية ليشمل المرشح لعضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية خلال فترة الترشيح.
وقد تضمن قانون العمل الملغى 137 لسنة 1981 بعض النصوص التى تقرر حماية حق العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية فقد قررت المادة 66/4، 5 أن «... ويجب على المحكمة أن تقضى بإعادة العامل المفصول إلى عمله إذا كان فصله بسبب نشاطه النقابى ويكون عبء إثبات أن الفصل لم يكن لذلك السبب على عاتق صاحب العمل» فوفقاً لهذا النص فإنه كان لزاماً على المحكمة الحكم بإعادة العامل المفصول إلى عمله متى ثبت لها أن الفصل كان بسبب النشاط النقابى للعامل.
ووفقاً للقواعد العامة فى الإثبات، فإن عبء إثبات أن فصل العامل كان بسبب نشاطه النقابى يقع على العامل الذى يدعى ذلك، ولكن تقديراً من المشرع للصعوبة البالغة التى يواجهها العامل لإثبات ذلك، فقد نقل عبء الإثبات إلى صاحب العمل وأوجب عليه أن يثبت أن الفصل لم يكن بسبب النشاط النقابى للعامل. وهذا المسلك من جانب المشرع يعمق نظام حماية مبدأ الحرية النقابية.
وإذا قضت المحكمة بإعادة العامل النقابى المفصول إلى عمله، فإن هذا الحكم يعتبر إلغاء لقرار الفصل الصادر عن صاحب العمل، وبالتالى يعتبر هذا القرار كأن لم يكن، وتعتبر مدة خدمة العامل مستمرة، وتحسب الفترة من تاريخ فصله إلى تاريخ عودته إلى العمل ضمن مدة خدمته، فيستحق أجره عن هذه الفترة، وذلك وفقاً لأحكام المادتين 41 من قانون العمل، و692 من القانون المدنى، اللتين تقرران أنه إذا حالت دون أداء العامل للعمل أسباب ترجع إلى صاحب العمل اعتبر كأنه أدى عمله فعلاً واستحق أجره كاملاً.
وفيما يتعلق بقانون العمل الجديد، فقد نصت المادة 120/ب منه على أن : «لا تعتبر من المبررات المشروعة والكافية للإنهاء ... ب- انتساب العامل إلى منظمة نقابية أو مشاركته فى نشاط نقابى فى نطاق ما تحدده القوانين». وعلى ذلك فقد قرر المشرع، رغبة منه فى حماية حق العامل فى الانضمام إلى المنظمات النقابية، أن إنهاء عقد العمل بسبب انتساب العامل إلى منظمة نقابية أو مشاركته فى نشاط نقابى فى نطاق ما تحدده القوانين لا يعتبر من المبررات المشروعة والكافية لإنهاء عقد العمل.
وقد كفل البند "ج" من ذات المادة الحماية للقيادات النقابية إذ قرر أن لا تعتبر من المبررات المشروعة والكافية للإنهاء ممارسة صفة ممثل العمال أو سبق ممارسة هذه الصفة أو السعى إلى تمثيل العمال.
وبذلك فقد أسبغ المشرع الحماية على القيادات النقابية، وممثلى العمال فى مجلس إدارة المنشأة ولمن سبق له ممارسة هذه الصفة أو المرشح إلى تمثيل العمال سواء كان مرشحاً لعضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية أو مجلس إدارة المنشأة.
وقد قررت المادة 71/8 من قانون العمل الجديد أنه «إذا كان طلب فصل العامل بسبب نشاطه النقابى قضت اللجنة بإعادته إلى عمله إذا طلب ذلك، مالم يثبت صاحب العمل أن طلب الفصل لم يكن بسبب هذا النشاط» وقد جعل هذا النص إعادة العامل المفصول بسبب نشاطه النقابى أمراً جوازياً وذلك تقديراً من المشرع إلى أن إعادة العامل المفصول إلى عمله رغماً عن صاحب العمل يؤدى إلى علاقة عمل مضطربة يلقى العامل خلالها معاملة جائرة من صاحب العمل بحثاً عن سبب جديد يبرر لصاحب العمل فصل العامل. وقد احتفظ النص بنقل عبء الإثبات إلى صاحب العمل، وأوجب عليه إثبات أن الفصل لم يكن بسبب النشاط النقابى للعامل.
ب- حرية عدم الانضمام إلى المنظمة النقابية
تعتبر حرية العامل فى عدم الانضمام إلى المنطقة النقابية المظهر السلبى للحق النقابى الفردى، وهو مستخلص حتماً من المظهر الأول للحرية النقابية وهو حرية الانضمام، فمقتضى حرية العامل فى الانضمام إلى المنطقة النقابية أن يكون حراً فى عدم الانضمام إليها وإلا انعدمت تلك الحرية وكان مجبراً على الانضمام إليها.
وحرية العامل فى عدم الانضمام إلى المنظمة النقابية تكون فى مواجهة المنظمة النقابية والتى غالباً ما تمارس العديد من الضغوط على العمال من أجل الانضمام إلى عضويتها لتدعيم قوتها وفعاليتها، فقد تلجأ المنظمة النقابية رغبة منها فى توسيع قاعدة العضوية بها، ضماناً لفعاليتها وكفاءتها، وحتى يمكن اعتبارها - بحق – أداة لتنظيم المهنة وتمثيلها على مختلف المستويات، إلى ممارسة العديد من وسائل الضغط على العمال غير النقابيين بهدف حملهم أو إرغامهم على الانضمام إلى عضوية المنظمة النقابية.
وهذه الوسائل تتخذ شكل شروط تتضمنها اتفاقيات العمل الجماعية التى تبرمها المنظمة النقابية مع أصحاب الأعمال. وتسمى هذه الشروط شروط الضمان النقابى clauses de sécurité syndicale
وتتخذ شروط الضمان النقابى صوراً مختلفة منها:
- قد تشترط المنظمة النقابية على صاحب العمل عدم تشغيل أى عامل بالمنشأة إلا إذا كان عضواً بها، وقد يتخذ هذا الشرط صورة تعهد من رب العمل بإنهاء خدمة العمال غير النقابيين العاملين لديه فعلاً وقت توقيع اتفاقية العمل الجماعية مع المنظمة النقابية، إذا لم يعلن هؤلاء انضمامهم إلى المنظمة النقابية خلال مدة زمنية معينة، وقد يصل الشرط إلى حد التزام رب العمل بإنهاء خدمة العمال النقابيين إذا ساءت علاقتهم بالمنظمة النقابية التى ينتمون إليها.
- قد تشترط المنظمة النقابية على صاحب العمل منح بعض المزايا للعمال النقابيين مثل مكافآت نهاية العام ومكافآت الإنتاج.
- قد ينص شرط الضمان النقابى على أن يقوم صاحب العمل باستقطاع الاشتراكات النقابية من أجور جميع العمال لديه بصرف النظر عما إذا كانوا أعضاء بالمنظمة النقابية أم غير أعضاء بها.
رغم أن شروط الضمان النقابى تهدف إلى تعزيز موقف المنظمات النقابية فى مواجهة أصحاب الأعمال، ومنحها القدرة على العمل بفعالية وكفاءة إذ ستضم فى عضويتها الغالبية العمالية، إلا أن هذه الشروط تبدو لنا غير مقبولة، فهى تتضمن اعتداءً على حرية العامل فى الانضمام أو عدم الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارها، فالعامل قد يجد نفسه مضطراً إلى الانضمام إلى منظمة نقابية بعينها – المنظمة التى أبرمت اتفاقية العمل الجماعية مع صاحب العمل – حتى يستطيع الحصول على فرصة عمل، أو الاحتفاظ بعمله وعدم فقده أو على الأقل حتى يستفيد من المزايا المختلفة سواء كانت مادية أو اجتماعية أو ثقافية التى يقدمها رب العمل للعمال المنتمين للمنظمة النقابية التى أبرمت معه اتفاقية العمل الجماعية.
حرية عدم الانضمام فى الاتفاقيات الدولية:
جاءت الاتفاقيتان رقمى 87 و98 خلواً من أى نص يتضمن حرية العامل فى ألا يكون نقابياً، فقد وقفتا موقفاً سلبياً إزاء هذا الحق من حقوق العامل ولم تتضمنا أى إشارة حوله.
حرية عدم الانضمام فى الاتفاقية العربية للحرية النقابية:
كفلت الاتفاقية العربية للحرية النقابية حرية العامل فى عدم الانضمام إلى المنظمة النقابية، فقد نصت فى المادة "13" منها على أن «يكفل تشريع كل دولة حرية العامل فى الانضمام أو عدم الانضمام إلى النقابة...»، وقررت المادة"19" منها «يحظر القانون تعليق استخدام العامل أو استمراره فى عمله على شرط انضمامه أو عدم انضمامه إلى النقابة..».
حرية عدم الانضمام فى التشريع المصرى:
كفل القانون النقابى المصرى لمظهرى الحرية النقابية الإيجابى والسلبى حماية متساوية، فجعل لحرية العامل فى عدم الانضمام إلى المنظمة النقابية نفس الدرجة من حماية حريته فى الانضمام إليها، وعلى هذا فقد وفر قانون النقابات لحرية عدم الانضمام للمنظمة النقابية، من الناحيتين الجنائية والمدنية، ذات الحماية التى وفرها لحرية الانضمام للمنظمة النقابية، وذلك حتى يقى العامل من وسائل الضغط التى قد تلجأ إليها المنظمات النقابية لدى أصحاب الأعمال لحمل العمال على الانضمام إليها.
ج- حرية الانسحاب من المنظمة النقابية
يتمتع العامل بحرية الانسحاب من المنظمة النقابية متى أراد ذلك، وهذه الحرية هى نتيجة لحرية العامل فى الانضمام إلى المنظمة النقابية، ولا يجوز إسقاط هذه الحرية عن العامل فى لائحة النظام الأساسى للمنظمة النقابية، ويقع باطلاً كل بند فيها يلزم العامل بالبقاء عضواً فى المنظمة النقابية طيلة حياته أو خلال مدة معينة، ويقع باطلاً كذلك كل شرط فى اتفاقية العمل الجماعية أو عقد العمل الفردى يعلق التشغيل أو الاستمرار فى العمل على احتفاظ العامل بالعضوية النقابية، فمثل هذا الشرط يعرقل حق انسحاب العامل من المنظمة النقابية، وبالتالى يمثل اعتداءً على مبدأ الحرية النقابية.
حرية الانسحاب فى الاتفاقيات الدولية:
جاءت الاتفاقيتان 87، 98 خاليتين من أى إشارة تتعلق بحرية العامل النقابى فى الانسحاب من المنظمة النقابية وقتما يشاء.
حرية الانسحاب فى الاتفاقية العربية للحرية النقابية:
تضمنت الاتفاقية العربية النص على حرية العامل فى الانسحاب من المنظمة النقابية، وقررت ضرورة أن يكفل تشريع كل دولة حرية العامل فى الانسحاب من المنظمة النقابية وأن يحظر القانون تعليق استخدام العامل أو استمراره فى عمله على شرط الانسحاب من المنظمة النقابية.
حرية الانسحاب فى التشريع المصرى :
كفل القانون النقابى المصرى للعامل حرية الانسحاب من المنظمة النقابية إذ تقرر المادة الثالثة من قانون النقابات حرية العامل فى الانسحاب من المنظمة النقابية، وعهدت إلى النظام الأساسى للمنظمة النقابية بتحديد قواعد وإجراءات الانسحاب والبت فيه.
ثانياً : الجانب الجماعى للحرية النقابية
يُقصد بالجانب الجماعى للحرية النقابية l'aspect collectif de la liberté syndicale حرية تكوين المنظمات النقابية وإدارتها وانقضائها، وبعبارة أكثر تفصيلاً فإن الجانب الجماعى للحرية النقابية يعنى حرية العمال بدون تمييز فى تكوين المنظمات النقابية حسب اختيارهم بدون إذن سابق وحرية المنظمات النقابية التى تم تكوينها فى أن تُدار وتنقضى دون تدخل من الدولة.
أ- حق العمال بدون تمييز فى تكوين المنظمات النقابية
يقتضى مبدأ الحرية النقابية أن يكون من حق العمال جميعاً أيا كان قطاع عملهم تكوين المنظمات النقابية بغض النظر عن معتقداتهم أو أرائهم السياسية أو توجهاتهم أو انتماءاتهم، وبعبارة أخرى فإنه لا يجوز أن يُحرم بعض العمال من حق تكوين المنظمات النقابية بسبب المهنة أو اللون أو الجنس أو العرق أو العقيدة أو الرأى السياسى.
وقد نصت الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 على هذا المبدأ صراحة إذ قررت فى مادتها الثانية أن «للعمال وأصحاب الأعمال بدون أى تمييز الحق فى تكوين المنظمات التى يختارونها...».
ومن جهة أخرى فإن المادة الأولى من الاتفاقية العربية للحرية النقابية قد نصت على ذات المبدأ فقررت أن «لكل من العمال وأصحاب الأعمال أياً كان القطاع الذى يعملون فيه أن يكونوا .... منظمات...».
على أن المادة التاسعة من الاتفاقية 87 قد أوردت إستنثاء على مبدأ حق العمال دون تمييز فى تكوين المنظمات النقابية إذ قررت أن للدول الأعضاء تحديد مدى سريان الضمانات الواردة فى الاتفاقية على القوات المسلحة والشرطة. وفيما عدا هذا الاستثناء المقرر لاعتبارات أمنية، فإن مبدأ حق العمال دون تمييز فى تكوين المنظمات النقابية يجب أن يُطبق دون المساس به أو التضييق منه، وعلى ذلك فلا يجوز مد نطاق الاستثناء ليشمل العاملين المدنيين فى القوات المسلحة والشرطة.
ورغم وضوح نص الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 بشأن حق العمال جميعاً بدون أى تمييز فى تكوين المنظمات النقابية إلا أنه قد ثار شك حول مدى تمتع الموظفين العموميين وعمال الزراعة بحق تكوين المنظمات النقابية، كما أن حق العمال جميعاً فى تكوين المنظمات النقابية يفترض إمكانية تكوين أكثر من منظمة نقابية لتمثيل نفس المهنة، مما يدعونا للحديث عن الوحدة والتعددية النقابية، وهذا الموضوع الأخير يثير بدوره مسألة المساواة بين المنظمات النقابية المتعددة وفكرة المنظمة النقابية الأكثر تمثيلاً.
الحق النقابى للموظفين العموميين ولعمال الزراعة :
ثار شك حول مدى تمتع الموظفين العموميين وعمال الزراعة بالحق النقابى.
الحق النقابى للموظفين العموميين:
رغم أن نص المادة الثانية من الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 قد جاء عاماً بحيث يشمل جميع العمال سواء كانوا عاملين فى الدولة والمرافق العامة أو فى القطاع الخاص، إلا أن العديد من التشريعات الداخلية مازالت تتضمن نصوصاً تحظر على الموظفين العموميين تكوين المنظمات النقابية، على أن بعض التشريعات الداخلية قد تحظر تكوين المنظمات النقابية على بعض فئات – فقط – من الموظفين العموميين نظراً إلى وظائفهم العليا أو مسئولياتهم الخاصة.
أيا كان الأمر فإن إنكار أو تقييد حق الموظفين العموميين فى تكوين المنظمات النقابية، يعتبر اعتداءً على مبدأ الحرية النقابية، ومخالفة صريحة لنص المادة الثانية من الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948، فالموظفين العموميين عمال، ومن حقهم تكوين المنظمات النقابية للدفاع عن مصالحهم المهنية مثل الأجور والمعاشات والجزاءات التأديبية وما يحيط بها من ضمانات.
الحق النقابى لعمال الزراعة:
واجه حق عمال الزراعة فى تكوين المنظمات النقابية صعوبات عديدة فى البداية، ويرجع ذلك إلى التخلف الذى ساد الواقع الزراعى فى مختلف المجالات سواء من حيث شروط العمل وظروفه أو الظروف المعيشية والاجتماعية والثقافية المتدنية لعمال الزراعة بوجه عام. وقد أدت هذه الظروف إلى إنعدام أو على الأقل إضعاف القدرة لدى العمال الزراعيين على ممارسة الحق النقابى.
لكل هذه الاعتبارات السابقة فإن منظمة العمل الدولية قد أولت اهتماماً خاصاً للحرية النقابية لعمال الزراعة، وذلك تأكيداً على حقهم فى تكوين المنظمات النقابية والانضمام إليها، وحتى يتسنى لهم ممارسة هذا الحق إزاء مسلك العديد من الدول والتى كانت تنكر عليهم هذا الحق. فقد أقر مؤتمر العمل الدولى فى سنة 1921 الاتفاقية رقم "11" والخاصة بالحرية النقابية فى الزراعة، وتعتبر هذه الاتفاقية هى أول اتفاقية دولية تتناول موضوع الحرية النقابية، وتقرر هذه الاتفاقية تمتع كل من يعمل بالزراعة بنفس الحقوق الخاصة بالاجتماع والتكتل المكفولة لعمال الصناعة وإلغاء أى تشريع أو أحكام أخرى تقيد مثل هذه الحقوق بالنسبة لعمال الزراعة.
على أن أهمية هذه الاتفاقية قد تضاءلت فى الوقت الحاضر، بعد صدور الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948، والتى تعتبر الاتفاقية العامة فى مجال الحرية النقابية والتى تتضمن من الضمانات فى مجال الحرية النقابية ما ينسحب على كافة العمال بما فيهم عمال الزراعة.
أيا ما كان الأمر فإنه يجب المساواة بين عمال الزراعة وعمال الصناعة فيما يتعلق بالحق فى تكوين المنظمات النقابية، ويحظر إجراء أى تمييز فى هذا المجال.
ب - الحركة النقابية بين الوحدة والتعدد:
إن حرية العمال فى تكوين المنظمات النقابية حسب اختيارهم تفترض إمكانية تعدد المنظمات النقابية التى تمثل المهنة أو الصناعة الواحدة، وبمعنى آخر فإن الحرية النقابية تتضمن حرية العمال فى تكوين أكثر من منظمة نقابية لتمثيل ذات المهنة أو الصناعة إلا أن موقف الفقه والتشريعات الداخلية فى البلاد المختلفة قد انقسم فى هذا الشأن فبينما ذهب اتجاه إلى تأييد تعدد المنظمات النقابية التى تمثل المهنة الواحدة، ذهب اتجاه آخر إلى رفض التعدد النقابى، وتأييد الوحدة النقابية، أى أن توجد منظمة نقابية واحدة لتمثيل المهنة الواحدة، ولا يجوز تعدد المنظمات النقابية التى تمثل المهنة الواحدة.
التعدد النقابى : le pluralisme syndical
تأخذ العديد من الدول بمبدأ التعدد النقابى، لعل أبرزها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا، ويسوق أنصار مبدأ التعدد النقابى مجموعة من الحجج لتأييده منها:
- أن التعدد النقابى هو أحد ركائز الحرية النقابية، إذ يسمح للعامل أن يختار، من بين المنظمات النقابية المختلفة، المنظمة التى تتناسب معه.
- أن نظام الوحدة النقابية يؤدى إلى سيطرة الدولة على المنظمات النقابية بحيث تفقد الحركة النقابية استقلالها إزاء الدولة.
- أن نظام النقابة الواحدة يساعد على شيوع الاتجاهات البيروقراطية كأسلوب للعمل النقابى، حيث تأنس القيادة النقابية لمركز القمة وتأمن للبقاء فيه وتعمل على تركيز الاختصاصات لديها، مما يؤدى إلى انعزالها عن القاعدة العمالية، وفقدانها لقدرة التعبير الصادق عن مطالب هذه القاعدة، فعدم التنافس يؤدى إلى تراخى المنظمات النقابية فى أداء واجبها، ونسيانها لأهدافها الأساسية، فى حين يترتب على وجود منظمات نقابية متعددة متنافسة على مستوى المهنة الواحدة اكتساب الحركة النقابية للفعالية واتسام العمل النقابى بالديمقراطية.
- أن التعدد النقابى لا يعنى بالضرورة انقسام الحركة العمالية، فمع التعدد توجد على صعيد العمل تحالفات حقيقية وواقعية بين كبريات الاتحادات النقابية.
الوحدة النقابية :l'unité syndicale
ذهب رأى آخر إلى أن الأخذ بالوحدة النقابية، أى منظمة نقابية واحدة للمهنة الواحدة، أفضل كثيراً من الأخذ بالتعدد النقابى، وذلك استناداً إلى الحجج الآتية :
- أن التنظيم النقابى الواحد يجسد تضامن العمال الذى يعبر عن وحدة الطبقة العاملة داخل المنظمة النقابية فى مواجهة رب العمل.
- إن مصلحة المهنة، وهى مصلحة جماعية تتميز عن المصالح الفردية لأعضائها، مصلحة واحدة، فمن الطبيعى أن تقوم على رعايتها منظمة نقابية واحدة.
- إن الوحدة النقابية تؤدى إلى زيادة الموارد المالية للمنظمات النقابية بحكم انتماء جميع من يرغب من عمال المهنة التى تمثلها إلى عضويتها.
- إن التعدد النقابى يقلل من فاعلية الحركة النقابية فى مواجهة أصحاب الأعمال وفى مواجهة الدولة، فالتعدد النقابى يزرع الفوضى فى الوسط النقابى عن طريق خلق العديد من النقابات الصغيرة والتى لا تملك مسئولية حقيقية، وتلجأ فى كثير من الأحيان إلى المزايدة على الأهداف المهنية مما يضعف كثيراً الحركة النقابية فى حين أن الحركة النقابية الموحدة تكون قادرة بفعل التماسك النقابى أن تعمل بفاعلية لإنجاز الأهداف النقابية.
- إن تطور مهام المنظمات النقابية المعاصرة، ونمو دورها الاقتصادى والاجتماعى يتطلب أن تكون المنظمة النقابية متمتعة بحق احتكار فعلى وقانونى لتمثيل المهنة، أما التعدد النقابى فيزيد من الصعوبات التى تقف أمام نمو دور المنظمات النقابية فى المجالات المختلفة.
بعد عرضنا للرأيين السابقين وحجج كل منهما يبدو لنا أن مبدأ التعدد النقابى هو الذى يتفق مع مبدأ الحرية النقابية ويعتبر تطبيقاً له، فبمقتضى التعدد النقابى يستطيع العمال أن يكونوا المنظمات النقابية حسب اختيارهم، وينضم كل عامل إلى المنظمة النقابية التى تتوافق مع مصالحه وأفكاره وميوله.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد ما يمنع، من الناحية الواقعية، ومع إمكانية تعدد المنظمات النقابية من الناحية القانونية أن تتجه إرادة العمال إلى توحيد جهودهم داخل منظمة نقابية واحدة، فقد يجد العمال أن من الأفضل لهم وجود منظمة نقابية واحدة تمثل المهنة الواحدة، وذلك لتكون لهذه المنظمة القوة والفعالية والثقل مما يجعلها قادرة على تمثيل المهنة على كل المستويات فى مواجهة الدولة وأصحاب الأعمال.
وبعبارة أخرى، فلا يوجد ما يمنع من اللجوء إلى الوحدة النقابية طالما كانت اختيار حر للعمال وغير مفروضة عليهم بمقتضى قانون، فالمبدأ هو أن تكون مكنة تعدد المنظمات النقابية متاحة للعمال، ولكن لا يشترط أن يكون هذا التعدد أمراً حتمياً. وتجدر ملاحظة أنه لا يجوز أن تكون الوحدة النقابية الواقعية – التى يختارها العمال – محل تقنين، وإلا تحولت إلى التزام قانونى يفرض على العمال الامتناع عن تكوين منظمات نقابية جديدة، مما يمثل اعتداءً على مبدأ الحرية النقابية.
المساواة بين المنظمات النقابية المتعددة:
يقترن مبدأ التعدد النقابى بمبدأ آخر لا يقل عنه أهمية يقويه ويسانده وهو مبدأ المساواة القانونية بين المنظمات النقابية المتعددة التى تمثل المهنة الواحدة. والواقع أن الأخذ بهذا المبدأ هو من مقتضيات التطبيق الصحيح لمبدأ الحرية النقابية، فتمييز بعض المنظمات لأسباب غير موضوعية يؤثر على حرية العامل فى تكوين المنظمات النقابية أو الانضمام إليها،ويجعله يخضع لضغوط خارجية – أجنبية عن المحيط النقابى – تقيد من ممارسته لهذه الحرية.
إلا أن الأخذ بمبدأ المساواة بين المنظمات النقابية المتعددة بصورة مطلقة يصطدم بصعوبات عملية متعددة، فالدور المتزايد للمنظمات النقابية خاصة فى العلاقات الصناعية والاجتماعية، ونمو وتعاظم أهمية المفاوضات الجماعية واتفاقيات العمل الجماعية التى تجريها وتبرمها المنظمات النقابية مع أصحاب الأعمال، أدوا إلى الخروج على مبدأ المساواة بين المنظمات النقابية المتعددة لصالح المنظمات النقابية الأكثر تمثيلاً للمهن.
فالمنظمات النقابية الأكثر تمثيلاً les organisations syndicales les plus représentatives هى المنظمات التى يعترف بها القانون باعتبارها منظمات مؤهلة لتمثيل المهنة فى مواجهة السلطات العامة وفى مواجهة أصحاب الأعمال وفى المحيط القانونى.
ويترتب على الاعتراف بالصفة التمثيلية للمنظمة النقابية منحها بعض الاختصاصات والامتيازات التى يكون لها بموجبها الحق فى ممارسة بعض الوظائف على الصعيد المهنى والوطنى، فللمنظمة النقابية الأكثر تمثيلاً. على سبيل المثال – تمثيل المهنة فى المفاوضات الجماعية مع أصحاب الأعمال، وإبرام اتفاقيات العمل الجماعية، وتختص بتعيين ممثلى المنظمات النقابية لدى المنظمات الدولية.
معايير تحديد المنظمات النقابية الأكثر تمثيلاً :
تتعدد المعايير التى تؤخذ فى الاعتبار عند تحديد المنظمة النقابية الأكثر تمثيلاً إلا أن هذه المعايير يجب أن تكون معايير موضوعية تؤكد أن هذه المنظمة النقابية تمثل عمال المهنة تمثيلاً حقيقياً، ومن هذه المعايير أقدمية المنظمة النقابية والخبرة التى اكتسبتها ونسبة العمال المنضمين إليها مقارنة بعدد أعضاء المنظمات النقابية الأخرى التى تمثل ذات المهنة، وبعدد العمال النقابيين الذين ينتمون إلى هذه المهنة، واستقلالها عن أصحاب الأعمال.
والواقع إن اللجوء إلى نظام المنظمات النقابية الأكثر تمثيلاً يهدف إلى إقامة نوع من التوازن بين الاعتبارات المتعارضة : الأخذ بمبدأ التعدد النقابى، وبالتالى احترام مبدأ الحرية النقابية، واحترام حرية العمال فى تكوين والانضمام إلى المنظمة النقابية التى يختارونها بحرية كاملة من جهة، وضرورة تنظيم وتنسيق العمل بين المنظمات النقابية المتعددة من جهة أخرى. فهذا النظام يسمح للمنظمة النقابية الأكثر أهمية بأداء دورها فى تمثيل المهنة بكفاءة وفعالية دون أن يؤثر فى ذلك وجود منظمات نقابية أقل أهمية.
والأخذ بنظام المنظمات النقابية الأكثر تمثيلاً لا يتعارض مع حرية الاختيار النقابى المقررة للعمال بمقتضى مبدأ الحرية النقابية، شريطة أن يكون إسباغ الطابع التمثيلى على المنظمة النقابية قد استند إلى معايير موضوعية تحول دون تدخل السلطات العامة لإجراء تمييز تعسفى بين المنظمات النقابية، وطالما أن الاعتراف بالصفة التمثيلية لإحدى المنظمات النقابية لا يحول دون قيام منظمات نقابية أخرى تمثل نفس المهنة.
تكوين المنظمات النقابية بدون إذن سابق
يقتضى مبدأ الحرية النقابية أن يكون من حق العمال تكوين المنظمات النقابية دون الحصول على إذن سابق من السلطات العامة، أو تقييد تكوين المنظمة النقابية وتمتعها بالشخصية المعنوية بإجراءات شكلية معقدة تعوق عملياً تكوينها ، وتمثل اعتداءً على حرية تكوين المنظمات النقابية وبعبارة أخرى، فإن تكوين المنظمات النقابية لابد أن يكون تصرفاً إرادياً حراً لا تتداخل فيه السلطة العامة بل يستقل عنها ليظل بعيداً عن سيطرتها.
وبناء على ذلك فإن النصوص التشريعية المنظمة لتكوين المنظمات النقابية يجب أن تتضمن فقط إجراءات تنظيمية تهدف إلى الإعلان عن مولد شخص اعتبارى جديد، لما يرتبه هذا الميلاد من آثار فى حق الغير، فلا يجوز إخضاع تكوين المنظمات النقابية أو تمتعها بالشخصية المعنوية لإذن سابق من جهة الإدارة، كما لا يجوز منح جهة الإدارة سلطة تقديرية فى قبول أو رفض تسجيل المنظمة النقابية لديها.
وقد أكدت الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم على هذه الأحكام، فقررت فى المادة الثانية منها أن «للعمال وأصحاب الأعمال بدون أى تمييز الحق فى تكوين المنظمات التى يختارونها أو الانضمام إليها بدون حاجة إلى إذن سابق...».
ومن جهة أخرى فقد قررت المادة السابعة من ذات الاتفاقية أنه «لا يجوز أن يكون اكتساب منظمات العمال وأصحاب الأعمال أو اتحاداتهم العامة الشخصية القانونية خاضعاً لشروط من شأنها أن تحد من تطبيق الضمانات الواردة فى الاتفاقية».
وقد قررت الاتفاقية العربية رقم "8" لسنة 1977 والمتعلقة بالحريات والحقوق النقابية فى مادتها الأولى أن «لكل من العمال وأصحاب الأعمال ...، أن يكونوا دون إذن مسبق، فيما بينهم منظمات...».
حرية وضع النظم الأساسية للمنظمات النقابية :
يرتبط بإجراءات تأسيس المنظمة النقابية، وقبل إشهار وجودها، تحرير لائحة النظام الأساسى للمنظمة النقابية.
ويجب أن يتمتع مؤسسو المنظمة النقابية بحرية تامة فى وضع نظامها الأساسى ، فلا يجوز أن تملك جهة الإدارة سلطة تقديرية فى الموافقة على النظم الأساسية للمنظمات النقابية أو رفضها.
وقد نصت المادة 3/1 من الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 على حق المنظمات النقابية فى إعداد لوائح النظام الأساسى فى حرية تامة.
وقد تعمد بعض التشريعات إلى وضع لوائح نموذجية، فإذا كانت هذه اللوائح النموذجية قد وُضعت بهدف فرض الالتزام بها على المنظمات النقابية عند وضع لوائحها، فإن هذا المسلك يمثل اعتداءً على الحرية النقابية، أما إذا كان الهدف من وضع اللوائح النموذجية هو أن تسترشد بها المنظمات النقابية عند وضع لوائحها، فإنه لا يوجد تعارض بين هذا المسلك من جانب المشرع ومبدأ الحرية النقابية، إذ تظل المنظمات النقابية متمتعة بحرية كاملة فى وضع لوائحها.
وقد تناولت الاتفاقية العربية رقم 8 لسنة 1977 هذه المسألة وقررت أنه لا يجوز إلزام المنظمات النقابية بأية لوائح أو أنظمة خاصة بتنظيم العمل بها وممارستها لنشاطها تضعها أية جهة، ويجوز وضع نماذج غير إلزامية لهذه اللوائح أو الأنظمة للاسترشاد.
وغنى عن البيان أنه يجب على مؤسسى المنظمة النقابية احترام القانون الوطنى، وهم بصدد وضع النظام الأساسى للمنظمة النقابية، طالما أن أحكام القانون لا تتضمن مساساً بمبدأ الحرية النقابية.
ج- حرية إدارة المنظمة النقابية
لا تتمتع المنظمة النقابية بحرية التكوين فحسب، بل يجب – وفقاً لمبدأ الحرية النقابية – أن تكون المنظمة النقابية حرة فى اختيار قياداتها وفى إدارتها لشئونها المختلفة سواء كانت إدارية أو مالية.
1- حرية اختيار القيادات النقابية:
تقرر المادة الثالثة من الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 حق المنظمات النقابية فى انتخاب ممثليها فى حرية تامة، وتمتنع السلطات العامة عن أى تدخل من شأنه أن يحد من هذا الحق أو يعوق الممارسة المشروعة له، وينبنى على ذلك أن المنظمات النقابية تتمتع بحرية كاملة فى اختيار قياداتها، ويمتنع على السلطات العامة التدخل فى هذا الشأن بأى صورة من الصور، بما يحد من هذه الحرية أو يعوق من ممارستها المشروعة.
وقد تتدخل السلطات العامة فى اختيار القيادات النقابية بأن تتطلب توافر شروط معينة فى المرشحين للمناصب القيادية فى المنظمة النقابية، وقد تفرض السلطات العامة رقابتها بالإشراف على الانتخابات.
تحديد السلطات العامة للشروط الواجب توافرها فى المرشحين:
تعمد العديد من التشريعات الوطنية إلى تطلب شروط خاصة فيمن يرشح نفسه للمناصب القيادية للمنظمات النقابية، ومن أهم هذه الشروط :
الجنسيــة :
تقصر العديد من التشريعات الوطنية حق الترشيح للمناصب القيادية للمنظمات النقابية على العمال الوطنيين دون الأجانب، وذلك حرصاً منها على ضمان قيادة وطنية للمنظمات النقابية، خاصة مع الدور المتزايد للمنظمات النقابية على المستويين الاقتصادى والاجتماعى. إلا أن هذا الشرط يمس حق العمال فى اختيار قياداتهم النقابية بحرية تامة، لذلك فإن هذا الشرط إذا وُجد يجب أن يُطبق بالمرونة الكافية للتوفيق بين الاعتبارات المتعارضة.
الانتماء للمهنة :
تشترط بعض التشريعات انتماء القائد النقابى للمهنة التى تمثلها المنظمة النقابية، ويبدو هذا الشرط بديهياً ذلك أن انتماء القيادة النقابية إلى المهنة يجعلها أكثر قدرة على الوقوف على قضاياها ومعرفة مشاكلها واحتياجات العاملين بها.
على أن هذا الشرط قد يكون عرضة لسوء الاستعمال، ويترتب عليه إهدار الضمانات المقررة بموجب الاتفاقية رقم 87، ففصل أحد القادة النقابيين من عمله قد يترتب عليه فقدانه لصفته النقابية، مما يكون له أثر سلبى على عمل المنظمة النقابية، ويزيد من تدخل أصحاب الأعمال فى شئون المنظمات النقابية.
استبعاد المرشح بسبب نشاطه السياسى:
تقرر بعض التشريعات الوطنية استبعاد النقابيين ذوى اتجاهات سياسية معينة من الترشيح لتولى المناصب القيادية فى المنظمات النقابية، مثال ذلك استبعاد النقابيين الذين لا ينتمون إلى الحزب الحاكم، أو الذين ينتمون إلى أحزاب سياسية معارضة للحزب الحاكم.
والواقع أن استبعاد بعض النقابيين من الترشيح للمناصب القيادية فى المنظمات النقابية لأسباب سياسة يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ الحرية النقابية، فهو يتعارض مع حق العمال فى اختيار ممثليهم بحرية تامة.
إشراف السلطات العامة على الانتخابات :
يقتضى مبدأ الحرية النقابية أن تظل السلطات العامة بمنأى عن عملية اختيار القيادات النقابية، ولا تتدخل فيها بأى صورة من الصور، أو فى أى مرحلة من مراحلها.
إلا أن بعض التشريعات قد تشترط حضور ممثلى السلطات العامة لعملية الانتخابات والإشراف عليها ومراقبة عملية الاقتراع، أو قد تستلزم اعتماد السلطات العامة نتيجة الانتخابات مع إعطائها سلطة تقديرية واسعة.
وتكمن خطورة هذه الشروط فى أنها من الممكن أن تتحول من مجرد إجراءات شكلية تهدف إلى التأكد من احترام الشروط القانونية إلى أن تصبح وسيلة بيد السلطات العامة تتمكن بها من الموافقة على نتائج الانتخابات أو إلغائها.
2- حرية المنظمة النقابية فى تسيير شئونها الإدارية:
تتمتع المنظمة النقابية بحرية إدارة شئونها الداخلية، فلها حرية وضع القواعد التى تنظم من خلالها اجتماعاتها وطرائق عملها وتشكيل أجهزتها الداخلية وخطط نشاطها وبرامج تنفيذها ومساءلتها لأعضائها عما يقع منهم مخالفاً لنظمها.
وحرية المنظمة النقابية فى إدارة شئونها يجب أن تمارس فى إطار احترام القوانين، وعلى ذلك فمن المقبول وجود نوع من الرقابة على تصرفات المنظمة النقابية وأعمالها الداخلية، للتأكد من احترامها للقانون. وحتى تتسم هذه الرقابة بالحياد والموضوعية، ولا يكون من شأنها تقييد حق المنظمة النقابية فى إدارة شئونها أو إعاقة الممارسة المشروعة لهذا الحق، فإن هذه الرقابة يجب أن تمارس بواسطة القضاء.
وتجدر ملاحظة أنه لا يوجد ما يمنع من أن تتضمن التشريعات بعض القواعد التنظيمية لصالح المنظمات النقابية، شريطة ألا تؤدى هذه القواعد القانونية إلى تدخل السلطات العامة فى نشاط المنظمات النقابية، وعلى أن تقتصر هذه النصوص التشريعية على المسائل الأساسية دون التطرق للتفصيلات مثال ذلك : أن تحدد هذه النصوص قيمة الاشتراك فى المنظمة النقابية، أو تحدد الأغلبية المطلوبة عند التصويت على مسائل جوهرية مثل تعديل النظام الأساسى أو فصل أحد الأعضاء.
3- حرية المنظمة النقابية النقابية فى إدارة أموالها :
وفقاً لمبدأ الحرية النقابية فإن للمنظمة النقابية حرية كاملة فى وضع لائحتها المالية، فيجب أن تتمتع بالاستقلال إزاء الدولة، ولا تُفرض رقابة حكومية على إدارتها لأموالها. إلا أن السلطات العامة قد تفرض نوع من الرقابة على مالية المنظمات النقابية متعللة برغبتها فى منع إساءة التصرف فى أموال المنظمات النقابية ومنع اختلاسها. فإذا كانت هذه الرقابة لا تحد من حرية المنظمة النقابية فى إدارة أموالها أو تعوق هذه الحرية، فإنها لا تمثل خروجاً على مبدأ الحرية النقابية، خاصة وأنها تهدف – فى النهاية – إلى الحفاظ على الأموال النقابية.
وقد تتعدى رقابة السلطات العامة على مالية المنظمات النقابية حدود حماية أموال المنظمات النقابية إلى تدخل السلطات العامة فى شئونها المالية رغبة منها فى إخضاع المنظمات النقابية إلى سيطرتها فى هذا المجال، مثال ذلك : أن يتطلب القانون اعتماد السلطات العامة لميزانية المنظمات النقابية، أو تعيين إدارة مالية للمنظمات النقابية من قبل السلطات العامة، أو إعطاء الحق لوزارة العمل فى التدخل فى كيفية إدارة المنظمات النقابية لأموالها. والواقع أن مثل هذا التدخل من جانب السلطات العامة يمثل تدخلاً صريحاً فى الشئون الداخلية للمنظمة النقابية، ويعتدى على حرية المنظمة النقابية فى إدارة أموالها، مما يُعد خروجاً على مبدأ الحرية النقابية.
رابعاً: عدم جواز حل المنظمة النقابية بالطريق الإدارى
وفقاً لمبدأ الحرية النقابية فإنه لا يجوز أن تكون المنظمات النقابية عرضة للحل أو لوقف نشاطها بواسطة السلطة الإدارية. فالمنظمة النقابية تتكون بالإرادة الحرة لأعضائها، وهذه الإرادة هى وحدها التى تملك تقرير إذا كان هناك مقتضى لحل هذه المنظمة من عدمه.
فلا يجوز بأى حال من الأحوال منح السلطة الإدارية حق حل المنظمات النقابية أياً كانت الأسباب، فإذا خالفت المنظمة النقابية القانون أو النظام الأساسي أو خرجت عن الأهداف النقابية، فإنه يجوز حل المنظمة النقابية أو وقف نشاطها بواسطة حكم قضائى.
فالسلطة القضائية جهة محايدة وموضوعية، ومن شأن إسناد الاختصاص بحل المنظمة النقابية أو وقف نشاطها إليها توفير الأمن والاستقرار للمنظمة النقابية والحفاظ على حقوقها، كما يحول دون تعرض المنظمة النقابية لتهديد جهة الإدارة أو تعسفها.