المحاضرة الرابعة
الهيكل المادى للجريمة
تقوم كل جريمة على هيكل مادى ملموس لا يتحقق بنيانها القانونى بدونه. بيد أن ذلك الهيكل لا يتخذ شكلاً واحداً فى كافة الجرائم، حيث تتوقف طبيعة الأفعال المكونة له على نوع كل جريمة، وفقاً لما يتطلبه نص التجريم. وتدخل معالجة الركن المادى لكل جريمة على حدة ضمن القسم الخاص من قانون العقوبات، وهو ما يخرج عن إطار دراستنا والتى سوف تركز فحسب على النماذج العامة للجرائم بالنظر إلى ركنها المادى، دون توقف عند جريمة بذاتها.
وتندرج النماذج العامة المشار إليها فى ثلاث طوائف:
الأولى- يمثلها نموذج الجريمة العادية، وفيها يرتكب جان بمفرده الجريمة كاملة، فتقع على يديه وحده كافة عناصرها، بما فى ذلك نتيجتها الإجرامية. والثانية- يمثلها نموذج الجريمة ناقصة النتيجة، وفيها يتمثل الهيكل المادى فى نشاط محدد يهدف إلى تحقيق نتيجة لا تقع لسبب خارج عن إرادته، وهو ما يعرف بالشروع فى الجريمة. والثالثة- يمثلها نموذج المساهمة الجنائية، وفيها تقع جريمة واحدة على أيدى عدة أشخاص ساهموا فى ارتكابها، وهو ما يعرف بالمساهمة الجنائية.
ولكل من هذه النماذج الثلاثة نخصص فيما يلى مبحثاً.
الركن المادى فى النموذج العادى للجريمة
نقصد بالنموذج العادى للجريمة، تسهيلاً للعرض، ذلك الفرض الذى يرتكب فيه شخص بمفرده جريمة تامـة، فيأتى سلوكاً إجرامياً تعقبه نتيجة إجرامية وتربط بينهما علاقة سببية.
السلوك الإجرامى
السلوك الإجرامى: هو النشاط المادى الملموس الذى يأتيه الجانى أو التقاعس عن تنفيذ واجب قانونى مفروض عليه تحت طائلة العقاب. والسلوك بهذا المعنى لازم فى كافة الجرائم، وإن اختلفت صورته من فرض لآخر تبعاً لعدة اعتبارات أهمها: طبيعة السلوك ومدة تنفيذه وعدد الأفعال المكونة له والظروف الملابسة لمباشرته.
مبدأ لا جريمة بغير سلوك إجرامى
من المجمع عليه فى الفقه والقضاء الجنائيين ألا جريمة بغـير نشـاط مادى يكون هو قوام السلوك الإجرامى فيها، ويعكس إلى العالم الخارجى ما دار فى نفس الجانى سابقاً على ذلك النشاط ومعاصراً له. فالقاعدة ألا شأن لقانون العقوبات بالمراحل النفسية أو الإرادية السابقة على النشاط الإجرامى الملموس
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا فى مصر القيمة الدستورية لمبدأ ضرورة السلوك الإجرامى فى بعض أحكامها الحديثة.
السلوك الإجرامى وفقاً لطبيعته
يندرج السلوك الإجرامى وفقـاً لطبيعته تحت طائفتين أساسيتين همـا: السلوك الإيجابى، والسلوك السلبى.
1- السلوك الإيجابى:
يتمثل السلوك الإجرامى الإيجابى فى مسلك ذى مظهر خارجى يتخذه الجانى يحدث تغييراً فى العالم الخارجى ويعبر عن سيطرة إرادية على منشأ الفعل. ويفترض ذلك أن الجانى بسلوكه الإجرامى الإيجابى قد أحدث تغييراً فـى وضع قائم يتسم بالسكون، فنقله إلى حالة جديدة تتسم بالحركة. وفى هذا التغيير يبرز بوضوح طابع «الارتكاب» أو الصفة «الإيجابية» للفعل المكون للجريمة، ومن أجل هذا توصف الجرائم التى يتخذ السلوك الإجرامى فيها المظهر محل البحث بأنها جرائم «إيجابية» أو جرائم «ارتكاب»، إبرازاً للتقابل بينها وبين الجرائم «السلبية» أو جرائم «الامتناع»
2- السلوك السلبى:
السلوك الإجرامى السلبى أو الامتناع: هو إحجام الشخص أو تقاعسه عن أداء التزام إيجابى محدد كان يقع عليه قانوناً عبء الوفاء به فى ظروف معينة، فيحدث مساس بالمصلحة المحمية جنائياً - أو تعريضها للخطر - بمجرد النكوص عن أداء ذلك الواجب. وهذه الصورة الخاصة من السلوك هى التى تقوم بها عادة طائفة الجرائم «السلبية» أو «جرائم الامتناع»، وتثور بشأنها مشكلات قانونية دقيقة على المستويات التشريعية والقضائية والفقهية.
السلوك الإجرامى وفقاً لمدته
1- التمييز بين الجرائم الوقتية والجرائم المستمرة:
الجريمة الوقتية: هى تلك التى يتم وينتهى بنيانها القانونى فى لحظة أو فى برهة يسيرة، أما الجريمة المستمرة فهى التى يستغرق تحقق البنيان فيها فترة من الزمن تطول أو تقصر تبعًا للظروف الواقعية. وغالبية الجرائم تعد من قبيل الجرائم الوقتية ومنها: القتل والضرب والسرقة والقذف والقبض بدون وجه حق والنصب.. إلخ. ومن قبيل الجرائم المستمرة: إخفاء الأشياء المسروقة، وحمل سلاح بدون ترخيص، واستعمال محرر مزور، وحبس شخص بدون وجه حق، وإحراز مادة مخدرة، وإدارة محل عمومى بغير ترخيص، وعدم تقديم الإقرار الضريبى المطلوب، وعدم تسليم الصغير إلى من له الحق فى حضانته.
السلوك الإجرامى وفقاً لمدى وحدة أفعاله أو تعددها
1- الجرائم البسيطة والجرائم المركبة:
- معيار التمييز:
الجريمة البسيطة هى التى يتكون السلوك الإجرامى فيها من فعل مادى واحد لا يتطلب القانون أكثر منه لقيام الجريمة، فالسرقة تقوم بفعل الاختلاس، والضرب يقوم بالمساس بسلامة جسم الغير. وفى مقابل ذلك، فإن الجريمة المركبة هى التى يتكون الركن المادى فيها من عدة أفعال مادية لكل منها طبيعة مغايرة عن طبيعة الآخر، ولا تقوم الجريمة فى نظر القانون إلا إذا توافرت تلك الأفعال جميعها. ومن الأمثلة التقليدية لذلك جريمة النصب التى تفترض فعلين كل منهما من طبيعة مختلفة: أولهما - الوسائل التدليسية التى يستخدمها الجانى، وثانيهما - تسليم مال من جانب المجنى عليه أو شخص آخر على أثر تلك الوسائل. ومن ذلك أيضاً جريمة الابتزاز التى تفترض من ناحية استعمال الجانى لعنف أو تهديد، ومن ناحية ثانية تسليم المجنى عليه المال بناء على ذلك.
2- الجرائم العرضية (البسيطة) وجرائم الاعتياد :
- معيار التمييز:
الجريمة البسيطة أو العرضية فى هذا الصدد هى تلك التى تقوم بفعل واحد يستجمع مقوماتها ولا يشترط القانون تكراره لقيامها. وفى مقابل ذلك، فإن جريمة الاعتياد هى تلك يتمثل الركن المادى فيها فى عدة أفعال متكررة من طبيعة واحدة، فلا تقوم الجريمة بفعل واحد منها منعزلاً عن الأخرى، إذ يفترض القانون أن مناط العقاب لا يتوافر إلا عند تكرار أفعال معينة تكشف لدى الجانى عن ميل إجرامى خاص. والأصل فى الجرائم أن تكـون بسيطة أو عرضية بالمعنى السابق، إذ يكفى عادة فعل واحد للمساس بالمصلحة المحمية جنائياً، وفى ذاته تكمن الخطورة على المجتمع. والاستثناء أن تقوم الجريمة على الاعتياد، حيث لا يرى المشرع محلاً لتجريم فعل منعزل لا يكشف بذاته عن خطورة الجانى: فجرائم القتل والإيذاء البدنى والسرقة والنصب وخيانة الأمانة والقذف والسب والتزوير... إلخ، جرائم بسيطة، تقوم كل منها بإتيان الفعل المكون لها مرة واحدة. وفى مقابل ذلك، يعد من قبيل جرائم الاعتياد فى القانون المصرى: الاعتياد على ممارسة الفجور أو الدعارة (المادة 9/ج من القانون رقم 10 لسنة 1961 فى شأن مكافحة الدعارة)، والاعتياد على الإقراض بالربا الفاحش (المادة 339 عقوبات).
3- الجرائم آحادية الفعل والجرائم متتابعة الأفعال:
الجريمة أحادية الفعل هى تلك التى تتكون من فعل واحد يقوم به ركنها المادى دون أن يلزم تكراره، كضرب شخص ضربة واحدة، أو سرقة نقوده دفعة واحدة، أو توجيه عبارة واحدة تنطوى على سب أو قذف.. إلخ. وفى مقابل ذلك، توجد جرائم تتكون من عدة أفعال متماثلة متتالية تقع مساساً بحق واحد وينتظمها مشروع إجرامى واحد، وهى التى يطلق عليها الجرائم «متتابعة الأفعال أو متلاحقة الأفعال»، أو «الجرائم الجماعية ذوات الغاية الواحدة». ومن الأمثلة التقليدية لهذا النوع من الجرائم: ضرب شخص عدة ضربات متتالية، أو سرقة أثاث منزله على عدة مرات متتالية عن طريق المغافلة، أو توجيه عبارات تنطوى على سب وقذف فى حقه فى اجتماع واحد أو نشرها فى مقالات متتابعة، أو تزييف عدة قطع من النقود، أو ارتكاب زنا بأفعال وطء متعاقبة.. إلخ. فمن الناحية الواقعية، يوجد فى هذا الفرض تعدد فى الجرائم يقتضى للوهلة الأولى تعدداً فى العقوبات. ولكن الظروف التى تكتنف وقوع تلك الأفعال دفعت الفقه والقضاء إلى معاملتها على نحو مغاير.
و يلزم أن تتوافر عدة شروط حتى توصف الجريمة بأنها متتابعة الأفعال:
الأول: أن تقع الأفعال المتتابعة استهدافاً لغاية واحدة، أى أن تكون تنفيذاً لمشروع إجرامى واحد وضعه الجانى وسعى إليه بتكرار أفعاله، وهو ما يقدره القاضى تبعاً لكل حالة على حدة.
الثانى: أن تقع الأفعال المتتابعة مساساً بحق واحد بحيث يحمل كل منها ذات التكييف الجنائى ويمثل كل منها انتهاكا لذات النص، فإن تعددت الحقوق التى مست بها الأفعال اعتبر الجانى مرتكباً لعدة جرائم مستقلة، كما لو قام فى مناسبة واحدة بضرب شخص وسب ثان ونشل حافظة نقود ثالث.
الثالث: أن تقع الأفعال المتلاحقة فى أزمنة متقاربة.
النتيجة الإجرامية
تتم الجريمة فى نموذجها المعتاد بتحقق نتيجتها، فتستكمل بذلك حلقات التنفيذ التى بدأها الجانى بسلوكه الإجرامى. وإذا كان هذا السلوك يرتب مجموعة من الآثار، فإن وصف النتيجة الإجرامية لا يصدق عليها كلها، وإنما على ما يكتسب منها فى نظر القانون أهمية خاصة تتعلق بسياسة التجريم؛ فالتشريع الجنائى لا يتدخل إلا لغاية نفعية وهى العقاب على المساس بمصلحة عامة أو فردية جديرة بالحماية الجنائية، أو على الأقل تعريضها للخطر. وتقتضى سياسة التجريم أحياناً أخذ نتيجة السلوك الإجرامى فى الاعتبار، ولكنها تعمد فى أحيان أخرى إلى التقليل مـن شأنها. ويقتضى توضيح كل ذلك استعراض ماهية النتيجة الإجرامية فى مرحلة أولى ثم بيان أهميتها فى مرحلة ثانية.
ماهية النتيجة الإجرامية
يمكن بوجه عام التمييز بين مفهومين أساسيين للنتيجة: المفهوم المادى، والمفهوم القانونى.
1- المفهوم المادى للنتيجة:
وفقاً للمفهوم المادى، يعد نتيجة إجرامية الأثر الذى يترتب على السلوك الإجرامى ويقترن به تغيير مادى ملموس تدركه الحواس فى العالم الخارجى، كالموت فى جرائم القتل العمد والقتل الخطأ، والإصابة أو المرض أو القعود عن القيام بالعمل الشخصى فى جرائم الضرب والجرح، وانتقال حيازة المال المسروق من المجنى عليه إلى حيازة الجانى وسيطرته عليه فى جريمة السرقة.
2- المفهوم القانونى للنتيجة:
وفقاً للمفهوم القانونى، يعد نتيجة إجرامية الأثر الذى يترتب على السلوك الإجرامى ويمثل مساساً بالمصلحة المحمية جنائياً، بإهدارها كلية أو بالانتقاص منها أو بتعريضها للخطر ليس إلا. وتعد النتيجة الإجرامية مفهومة على هذا النحو عنصراً لازماً فى كل جريمة تامة، إذ لا جريمة بغير مساس بمصلحة محمية جنائياً على النحو الذى يقرره نص التجريم.
علاقة السببية
ماهية علاقة السببية ونطاق البحث فيها
علاقة السببية هى الرابطة التى تصل بين النشاط والنتيجة الإجرامية، وتسمح بالقول بأن هذه الأخيرة كانت ثمرة للأول ومرتبطة به ارتباط المسبب بالسبب، ومن ثم يلقى القانون تبعتها على الجانى باعتبارها من التداعيات الطبيعية لفعله. وقد أثارت علاقة السببية منذ عهد بعيد مشكلات دقيقة.
ولا تثور مشكلة علاقة السببية فى الحالات التى يفضى فيها الفعل إلى النتيجة الإجرامية المحظورة إذا كانت طبيعة الفعل، وظروف ارتكابه، والفترة الزمنية التى تفصله عن نتيجته، تقطع للوهلة الأولى بأن الفعل هو السبب الوحيد للنتيجة، وأنه لم يتدخل أى عامل آخر إلى جانبه ساعد فى تحققها كما وقعت بالفعل.
ولكن المشكلة تثور عندما يتراخى وقت تحقق النتيجة عن وقت النشاط الأصلى ، فيسمح ذلك الفاصل الزمنى بتدخل عوامل أخرى تساهم مع فعل الجانى فى تفاقم النتيجة، أو عندما لا يقع بينهما ذلك الفاصل، ولكن يتبين أن ظرفاً خاصاً بالمجنى عليه نفسه أفضى إلى اتخاذ النتيجة بعداً ما كانت لتبلغه لدى غيره، أو عندما يتدخل عامل أجنبى فى ذات الوقت الذى يباشر فيه الجانى نشاطه أو عقب ذلك.
معيار علاقة السببية
1- نظرية التعادل بين الأسباب:
أكثر النظريات الموسعة فى علاقة السببية وأوسعها شهرة هى التى تعرف بنظرية التعادل بين الأسباب. وقد صيغت هذه النظرية فى ألمانيا فى أواخر القرن قبل الماضى.
والفكرة الأساسية التى تقوم عليها هذه النظرية هى التكافؤ والمساواة بين العوامل المتعددة التى ساهمت فى إحداث النتيجة؛ فلكل منها - ومن بينها نشاط الجانى - ذات القوة السببية، ومن ثم يصح إسناد النتيجة سببياً إلى كل منها على حدة . وهكذا، طالما ثبت أن ذلك النشاط كان واحداً من بين تلك العوامل، فإن علاقة السببية تعد متوافرة بينه وبين النتيجة الإجرامية، أياً كانت أهمية ذلك النشاط، ومهما بلغ ضعف قوته السببية مقارنة بالقوة السببية للعوامل الأخرى، ومهما كان دور الأخيرة فى تفاقم النتيجة التى تظل رغم ذلك مرتبطة به.
2- نظرية السببية الملائمة:
تقوم هذه النظرية على أن فعل الجانى يعد سبباً للنتيجة إذا كان بطبيعته، ووفقاً للإمكانيات الموضوعية فيه، من شأنه إحداثها، أو كان ملائماً لإحداثها. ويعنى ذلك ضرورة فحص كافة العوامل السابقة على النتيجة واستبعاد ما لا يكون بطبيعته ملائماً لإحداثها والتوقف فقط عند العوامل التى تحمل تلك القدرة.
فالسبب الملائم هو الذى يكون من شأنه- وفقاً للمجرى العادى للأمور - إحداث النتيجة، أو ينطوى فى ذاته على الإمكانية الموضوعية لتحقيق النتيجة فى الغالب الأعم من الحالات.
- ماهية المعيار الذى تبناه القضاء:
تعرض القضاء المصرى لعلاقة السببية بوجه خاص فى جرائم القتل والمساس بسلامة الجسم، عمدية وغير عمدية، فأوضحت محكمة النقض دور تلك العلاقة كواحد من العناصر اللازمة لقيام المسئولية عن هذا النوع من الجرائم، وأن انقطاعها ينفى المسئولية الجنائية عن النتيجة النهائية، وأن إغفال الإشارة إليها فى الحكم يجعل هذا الأخير قاصر التسبيب. وفى تحديد مدى توافر علاقة السببية يلجأ القضاء إلى معيار ذى طبيعة مختلطة، فيها جانب مادى، وفيها جانب معنوى.
وبهذا يمكن القول: إن المعيار المختلط الذى تبنته محكمة النقض لاستخلاص علاقة السببية يفضى إلى نتائج مماثلة لتلك التى تنجم عن تبنى مذهب السببية الكافية أو الملائمة فى جانبها الموضوعى.
الشروع فى الجريمة
يمثل الشروع فى الجريمة نموذجاً خاصاً للواقعة المكونة للجريمة، باعتباره مشروعاً إجرامياً لم يصل إلى منتهاه لأسباب خارجة عن إرادة الجانى.
ماهية الشروع والأحكام العامة التى يخضع لها
تعريف الشروع ونطاقه
1- تعريف الشروع:
الشروع بوجه عام نموذج خاص لجريمة تتخلف نتيجتها، أو سلوك غير مفض إلى النهاية التى كان الجانى يسعى إلى بلوغها، متى كان عدم تحقق تلك النتيجة راجعاً إلى سبب غير إرادى. فالجانى فى هذا النموذج قطع شوطاً ملموساً على طريق إتمام الجريمة، ولكن ذلك الإتمام لم يحدث لسبب خارج عن إرادته، فمن يطلق رصاصة على الغير بقصد قتله فتطيش رصاصته، أو لا تصيبه إلا بأذى طفيف.
وقد عرفت المادة 45 من قانون العقوبات الشروع بأنه: «...... البدء فى تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. ولا يعتبر شروعاً فى الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك».
2- نطاق الشروع:
فى تطبيقات الشروع ثلاثة فروض أساسية يجمع بينها عدم إفضاء نشاط الجانى إلى نتيجة يمكن إلقاء تبعتها عليه قانوناً، الفرض الأول: عدم إفضاء نشاط الجانى بالمرة إلى النتيجة الإجرامية المقصودة ولا إلى أى نتيجة إجرامية أخرى أقل جسامة، كإطلاق رصاصة على شخص دون أن يصاب من جرائها بأذى. والفرض الثانى : تتحقق فيه بعد نشاط الجانى ذات النتيجة الإجرامية التى كان يسعى إليها دون أن يمكن قانوناً نسبتها إلى فعله، لانقطاع علاقة السببية بينهما، فثمة فى هذا الفرض تحقق مادى للنتيجة النهائية المقصودة دون أن تعتبر الجريمة تامة فى مواجهة الجانى، لأن النتيجة تسند سببياً إلى عامل آخر. ومن ذلك إطلاق «أ» رصاصة تجاه «ب» بقصد قتله وإصابة هذا الأخير بجرح بسيط يذهب على أثره إلى المستشفى لتلقى الإسعافات الأولية حيث يتوفى على أثر تلقى علاج خاطئ. والفرض الثالث فى الشروع هو تخلف النتيجة النهائية المقصودة مع تحقق نتيجة أقل جسامة على أثر نشاط الجانى، ومن ذلك إطلاق رصاصة على المجنى عليه تصيبه ولا تقتله.
صورتا الشروع
ثمة صورتان أساسيتان للشروع أولاهما: الشروع التام، ويعرف كذلك بالجريمة الخائبة، وفيها يستنفد الجانى نشاطه الإجرامى كاملاً وتتخلف النتيجة لسبب خارج عن إرادته، ومن ذلك أن يضرب شخص امرأة أو يعطيها مادة بقصد إسقاطها فلا يتحقق ذلك، أو أن يطلق رصاصته تجاه المجنى عليه فلا يصيب هذا الأخير، أو أن يكسر خزينة لسرقة مستند معين فلا يجده بها. ويدخل فى صورة الشروع التام كذلك ما يعرف بالجريمة المستحيلة.
والصورة الثانية للشروع هى الشروع الناقص أو ما يعرف بالجريمة الموقوفة، وفيها لا يستنفد الجانى نشاطه الإجرامى حتى نهايته، وإنما يوقفه أو يحبطه عامل خارجى فلا يستكمل النشاط ولا تتحقق النتيجة، كما لو تأهب «أ» لإطلاق عيار نارى تجاه «ب» وتدخل «جـ» فأمسك بيده وحال دون إطلاق العيار؛ أو تسلق «أ» سور منزل بقصد السرقة ولم يتم مشروعه على أثر رؤية رجل الشرطة قادماً نحوه، وهكذا.
أركان الشروع
تقوم الجريمة فى صورة الشروع على ثلاثة عناصر رئيسية، وذلك حسبما يبين من نص المادة 45 من قانون العقوبات، وهى:
1- الركن المادى، أو البدء فى التنفيذ 2- القصد الجنائى 3- عدم تمام الجريمة لسبب غير إرادى.
البدء فى التنفيذ
1- موضع البدء فى التنفيذ فى مسار الجريمة:
لا مجـال للشروع فـى الجريمة إلا إذا قطع الجانى، علـى طـريق الجريمة، مسافة يمكن معها القول بأنه قد بدأ فى تنفيذها.
2- معيار البدء فى التنفيذ:
تدور المعايير الفقهية المقول بها للتمييز بين العمل التحضيرى والبدء فى التنفيذ بين مذهبين متقابلين هما المذهب الموضوعى والمذهب الشخصى.
أولاً - المذهب الموضوعى أو المادى :
يقوم هذا المذهب فى صوره المختلفة على أن البدء فى التنفيذ الذى يتحقق به الشروع لا يتم إلا بأفعال ذات جسامة خاصة. وقد تعددت الصيغ التى عبر بها أنصار هذا المذهب عن أفكارهم، ولكن تطورها بوجه عام انتقل من حلول جامدة إلى أخرى أكثر مرونة.
1- ففى صيغة أولى، ذهب البعض إلى أن البدء فى التنفيذ هو إتيان فعل يدخل فى الركن المادى كما يعرفه النموذج القانونى للجريمة، فإن كان ما أتاه الجانى لا يصدق عليه ذلك فهو ليس سوى عمل تحضيرى.
ففى النموذج القانونى للسرقة، يتكون الركن المادى من فعل الاختلاس، ومن ثم لا يعد الجانى قد بدأ التنفيذ إلا إذا وصل بالفعل إلى المال المراد سرقته ووضع يده عليه.
2- وفى صيغة ثانية، أراد أنصار المذهب الموضوعى تلافى مثالبه المشار إليها فتوسعوا فى مفهوم الفعل الذى يرقى إلى مرتبة البدء فى التنفيذ، مدخلين فى ذلك الظروف المشدِّدة للجريمة التى اعتبرت فى تطبيق أحكام الشروع مرادفة للأعمال التنفيذية المكونة لها، ومن ذلك: التسور والكسر من الخارج واستعمال مفتاح مصطنع فى السرقة.
3- وفى صيغة ثالثة، ذهب بعض أنصار المذهب الموضوعى إلى تعديل المعيار بالنظر إلى مدى وضوح دلالة الفعل الذى أتاه الجانى على المقصد الإجرامى لهذا الأخير، فالفعل التنفيذى الذى يقوم به الشروع لا يحتمل إلا معنى واحداً، ولا يكشف إلا عن دلالة واحدة، هى التعبير عن النية الإجرامية للجانى؛ فهو غير قابل للتأويل فى مرماه ولا يُحمل إلا على وجه واحد، هو الوجه الإجرامى. أما العمل التحضيرى فدلالته غير واضحة، ويحتمل تأويلاً ذا دلالة إجرامية وآخر ذا دلالة بريئة؛ وحتى إذا كان يحمل دلالة إجرامية فهو لا يكشف على وجه التحديد عن ماهية الجريمة التى يراد ارتكابها. وتطبيقا لذلك، فإن تصويب سلاح تجاه المجنى عليه، أو تقييده تمهيداً للإجهاز عليه، أو كسر باب خزينة، تعد صوراً للبدء فى التنفيذ لوضوح الدلالة الإجرامية فيها. وفى مقابل ذلك، فإن شراء سلاح أو حمله، أو الطرق على باب منزل أو تسلق سوره، تعد وفقاً لهذه الصيغة صوراً للأعمال التحضيرية لأنها تحتمل تأويلاً متعدد الوجوه، إذ قد تتم لغرض برىء أو لآخر شرير.
ثانياً - المذهب الشخصى أو الذاتى:
يرى أنصار المذهب الشخصى أن معيار البدء فى التنفيذ يكمن فى الإرادة الإجرامية للجانى وموقفه النفسى أكثر مما يكمن فى الخطورة الذاتية للفعل الذى صدر عنه؛ فقد لا يكون ذلك الفعل داخلاً فى الأعمال التنفيذية المكونة للجريمة، ومع ذلك يكون كاشفاً عن إرادة إجرامية واضحة وموقف نفسى محدد تجاه النتيجة المقصودة، ومن ثم يعد بدءًا فى التنفيذ.
وقد عبر الفقه عن الفكرة السابقة بصيغ متعددة منها: أن الجانى يعد بادئاً فى التنفيذ إذا تولد لديه شعور ذاتى بأنه يبدأ تنفيذ الجريمة التى خطط لها ؛ أو إذا كانت «المسافة المعنوية» بين الفعل الذى أتاه والغرض الذى يبتغيه قصيرة على نحو يمكن معه القول بأنه كان من المحتم أن يعبرها لو ترك وشأنه؛ أو إذا كان الفعل يكشف أنه ما عاد يفصل بين الجانى وتنفيذ مشروعه سوى خطوة يسيرة كان سيخطوها حتماً إذا لم يصادفه عائق؛ أو إذا استبان أن الجانى قد قرر أن يتحمل مخاطر المشروع حارقاً سفنه من خلفه وناسفاً الجسور التى تسمح له بالتراجع عن ذلك المشروع.
ولكن أكثر هذه الصيغ شيوعاً وأوسعها شهرة هى تلك التى تخلع صفة البدء فى التنفيذ على الفعل الذى من شأنه، فى خطة الجانى، أن يفضى حالاً ومباشرة إلى ارتكاب الجريمة، فيكون آخر فعل أو واحداً من بين الأفعال الأخيرة السابقة على التنفيذ الحقيقى.
وانطلاقاً مما سبق، يمكن التوفيق بين المعايير الفقهية المقترحة وصياغة معيار مرن لتفريد البدء فى التنفيذ وتمييزه عن العمل التحضيرى، فيعرف البدء فى التنفيذ بأنه فعل يحمل خطر المساس بالمصلحة المحمية جنائياً، ويكشف، بالنظر إلى الظروف الموضوعية التى ارتكب فيها والظروف الشخصية المتعلقة بمرتكبه، عن نية واضحة للجانى فى المضى قدماً فى مشروعه الإجرامى، بحيث يكون إتمامه ذلك المشروع فى تلك الظروف أرجح احتمالاً من تراجعه عنه وفقاً للمجرى العادى للأمور.
ثالثاً - اتجاه القضاء المصرى:
جـاءت التطبيقات القضائية الأولى من قبل محكمة النقض فى اتجاه المعيار الموضوعى فى البدء فى التنفيذ. ومن ذلك ما قضت به من أنه لا يعد شروعاً فى اغتصاب طلب الفحشاء من امرأة وجذبها من يدها وملابسها لإدخالها فى زراعة القطن.
وبعد ذلك، أخذ قضاء محكمة النقض يميل بوضوح إلى المعيار الشخصى واطردت الأحكام على أنه لا يشترط لتحقق الشروع أن يبدأ الفاعل تنفيذ جزء من الأعمال المكونة للركن المادى للجريمة، بل يكفى لاعتباره شارعاً فى ارتكاب جريمة أن يأتى فعلاً سابقاً على تنفيذ الركن المادى لها ومؤدياً إليه حالاً، أو - كما ورد فى صيغة أحكام أخرى - حتماً، أو مباشرة، أو أن يكون الفعل الذى أتاه الجانى هو الخطوة الأولى فى سبيل ارتكاب الجريمة ما دام قصد الجانى من مباشرته معلوماً وثابتاً. ومعنى ذلك أن محكمة النقض تجرى على تقدير واقعى لمدى قيام البدء فى التنفيذ، وتستعرض الخطة التى وضعها الجانى لمشروعه الإجرامى ومدى قرب الفعل الذى اقترفه من تنفيذ ذلك المشروع فى ضوء الظروف الواقعية الملابسة، والسير العادى للأمور، وطبيعة الجريمة.
القصد الجنائى
لا يكفى لقيام الشروع أن تقع أفعال مادية مهما كانت خطورتها الذاتية، وإنما يلزم أن يكـون البدء فى التنفيذ مقترناً بقصد جنائى يعتبر صورة الركن المعنوى المتطلبة لقيام جريمة الشروع.
1- ماهية القصد الجنائى فى الشروع:
جوهر القصد الجنائى فى الشروع هو الإرادة الآثمة المتجهة إلى إحداث النتيجة الإجرامية التى تخلفت لسبب غير اختيارى، وهى ذات الإرادة التى يلزم توافرها لقيام الجريمة التامة؛ فالإرادة متجهة فى الحالتين نحو إتمام الجريمة، بغض النظر عن عدم تحقق النتيجة المقصودة فى الشروع. فمن يطلق رصاصة على آخر بقصد قتله وتحدث الوفاة بالفعل يتطابق القصد الجنائى لديه مع قصد شخص آخر يطلق رصاصة مماثلة فلا تصيب المجنى عليه سوى بأذى بسيط.
عدم تمام الجريمة لسبب غير إرادى:
يفترض النموذج القانونى لجريمة الشروع ليس فقط تخلف النتيجة الإجرامية التى كان الجانى يسعى إليها، وإنما كذلك أن يكون ذلك التخلف راجعاً إلى أسباب خارجة عن إرادته.
1- التمييز بين تمام الجريمة والشروع فيها:
من البديهـى أن مجال الشروع ينحصر فى الحالات التى يتوقف فيها نشاط الجانى أو يستنفد فيخيب أثره قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها الإجرامية؛ فإذا وقعت هذه الأخيرة على أثر فعله سئل الجانى عن جريمة تامة وليس عن مجرد شروع فيها. ويقتضى ذلك الرجوع إلى طبيعة كل جريمة على حدة ومقارنة النموذج القانونى الذى يرسمه لها نص التجريم مع الفعل الذى صدر عن المتهم فى الواقع.
2- العدول الذى يحول دون قيام الشروع:
يفترض الشروع كما أسلفنا أن الجانى كان يسعى إلى تحقيق النتيجة الإجرامية ولكنه فشل فى بلوغها لأسباب خارجة عن إرادته، فإذا كان ثمة عدول عن تحقيق النتيجة فى هذا الفرض، فهو عدول اضطرارى أو غير اختيارى من قبل الجانى.
وعلى هذا النحو، يقدم المشرع للجانى وعداً بصفح تشريعى إن هو ثاب إلى رشده وحال بإرادته دون تحقيق النتيجة الإجرامية. وهذا المسلك جدير بالتأييد لأنه يدعم الدور الوقائى للسياسة الجنائية فى مواجهة الإجرام، حيث يتفق مع الطبيعة البشرية التى تحتاج إلى تدعيم العوامل المانعة من الإجرام فى مواجهة العوامل الدافعة إليه؛ هذا فضلاً عن أن مصلحة المجتمع فى عدم عقاب من عدل اختياراً عن إتمام مشروعه الإجرامى تفوق مصلحته فى تقرير العقاب رغم العدول.
والعدول الذى يحول دون قيام الشروع فى الجريمة المقصودة هو ذلك الذى يتوافر فيه شرطان يتعلق أولهما بطبيعته وثانيهما بتوقيت حدوثه، وذلك على التفصيل الآتى.
أولاً - الشرط المتعلق بطبيعة العدول:
مؤدى هذا الشرط أن يكون العدول عن إتمام المشروع الإجرامى ذا طبيعة اختيارية، أى أن يكون راجعاً إلى إرادة تلقائية من الجانى بالانسحاب من المشروع الإجرامى والحيلولة دون إتمامه.
ثانياً - الشرط المتعلق بتوقيت العدول:
لا يكفى لكى يحدث العدول أثره أن يكـون اختيارياً بالمعنى السـابق، وإنما يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يقع قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها وقبل قيام الشروع بتحقق أركانه كاملة: فإن حدث عدول بعد هذا أو ذاك، فلا نكون إلا بصدد «ندم متأخر» أو «توبة إيجابية لاحقة» لا أثر لها فى نفى الجريمة أو الشروع. والعلة فى ذلك واضحة، وهى أن التوبة اللاحقة بالمعنى السابق لا يتحقق بها معنى العدول الذى يبرر عدم توقيع العقاب وفقاً لأصول سياسة العقاب.
ثالثاً - الأثر القانونى للعدول الاختيارى:
إذا كان العدول اختيارياً وتم قبل تحقق أركان الشروع فإنه يحول دون العقاب على الشروع من أجل الجريمة التى كان مقصوداً تنفيذها ابتداءً. ويتحقق هذا الأثر للعدول سواء تم تكييفه على أنه مجرد مانع عقاب يقتضى حسن السياسة تقريره بفتح باب التوبة رغم توافر أركان الشروع من الناحية الفنية، أم تم تكييفه على أنه حائل دون توافر أحد أركان الشروع وهو الركن المتعلق بتخلف النتيجة لسبب خارج عن إرادة الفاعل.